أبسو

ملخص

أبسو هو الماء العذب الأول في ملحمة الخليقة البابلية «إِينُوما إِيلِيش»، وهو زوج تيامات، ماء البحر المالح. وفي السومرية يسمى أبزو، وهو الماء الجوفي الذي يقوم عليه معبد إنكي في مدينة إريدو.

تبدأ الملحمة قبل أن تُسمّى سماء أو أرض، ولا شيء إلا أبسو وتيامات يختلط ماؤهما، فتخرج منهما أجيال المعبودات، حتى يولد آنو ثم إيا، وهو إنكي بالاسم الأكدي. يضيق أبسو بحركة هذه الأجيال وضجيجها، فلا يستريح نهاراً ولا ينام ليلاً، فيعرض على تيامات أن يهلكهم، فتفزع من رأيه، ويشجعه وزيره مُومّو. يعرف إيا الخطة، فيلقي على الماء تعويذة تنيم أبسو، ثم يقيده ويقتله، ويبني فوقه مسكناً يسميه أبسو، وفيه يولد ابنه مردوخ. ومن مقتل أبسو تبدأ حرب تيامات التي تنتهي بخلق العالم. أما القصيدة السومرية «رحلة إنكي إلى نيبور» «نِيبُور» فلا تروي قتلاً: أبزو فيها ماء معبد إنكي في إريدو، حوله القصب والبساتين وفي مائه السمك.

والفكرة التي تدور عليها القصة أن الماء الباطن الساكن لا ينفع أحداً ما دام ساكناً. يريد أبسو السكون ويكره الحركة، فيغلبه إيا العارف ويقيم عليه بيته، فيصير الماء المقيَّد مسكناً وموضع ولادة. وفي القصيدة السومرية يصير هذا الماء نفسه أساس معبد تحيط به البساتين. فالماء الذي تحت الأرض يصير مورداً للزرع والمدينة حين يُضبط ويُفتح له مجرى.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الأكدية apsû «أَپْسُو» يقرؤها محمد رشيد ناصر ذوق «حَبْسُو»، من الحبس. والعرب تسمي الحجارة أو الخشب الذي يقام في مجرى الماء ليمسكه حبساً، وتسمي الماء المجتمع خلفه حبساً كذلك. والحاء تسقط من أول الكلمة في الأكدية، لأن الأكدية فقدت أكثر حروف الحلق، والباء تقابلها پ. فأبسو هو الماء المحبوس في باطن الأرض، وهذا ما تجعله القصة بالضبط: ماء ساكن، يُقيَّد ثم يُبنى عليه.

الجذر اللغوي

أبزو وأپسو في الشواهد

الصيغة النطق التقريبي بالعربية بيانها
𒍪𒀊، وتُنقل abzu (أَبْزُ) أَبْ-زُ الصيغة السومرية، وتكتب بالعربية أبزو
apsû (أَپْسُو) أَپْ-سُو الصيغة الأكدية؛ پ مثل p (پ)، والضمة الأخيرة طويلة
ḥabsu (حَبْسُو) حَبْسُو قراءة ذوق العروبية المقترحة، وليست تهجئة أخرى منقولة عن لوح مسماري

تسجل قائمة العلامات قراءة «أبزو» للعلامة المركبة الموسومة ZU.AB (زُو.أَب). وهذا وسم لعلامتين، لا كلمة ذات نطق قديم نستخرجه من ترتيب الرمزين وحده. ويذكر المعجم تحت «أبزو» الماء الجوفي الذي تصوره أهل البلاد تحت العالم، ثم حوض الماء المستعمل في المعبد، ويورد معنى المستنقع على سبيل الاحتمال. لذلك يتحدد المقصود من السياق: الماء، أو مكانه، أو الوعاء الذي يحويه.

وتصل القوائم المعجمية القديمة «أبزو» السومرية بالمقابل الأكدي «أپسو»، وفيها الكتابة المقطعية ap-su (أَپْ-سُ) إلى جانب abzu (أَبْزُ). فالصلة بين الصورتين لها شاهد كتابي؛ وإذا بدأنا المقارنة من abzu (أَبْزُ) وجب أن نحسب الزاي والباء، وإذا بدأنا من apsû (أَپْسُو) قابلنا السين وپ.

الحبس والماء المجتمع

قد يتبادر إلى الذهن من الحبس معنى السجن، ولكن العرب استعملت الكلمة في أمر الماء أيضاً. يذكر «لسان العرب» حجارة أو خشباً تقام في مجراه لتحجزه، فيشرب الناس ويسقون ماشيتهم. ويصف مواضع من الأرض يحبس فيها الماء حتى تمتلئ، ثم يساق إلى غيرها. فالاسم يصف فعلاً يعرفه من يسقي أرضاً أو يقيم حاجزاً في مجرى سيل.

اللغة الصيغة وتقريب القراءة المعنى والاستعمال
العربية حَبَسَ، حبيس، حِبْس؛ ḥabasa (حَبَسَ)، ḥabīs (حَبِيس)، ḥibs (حِبْس) الإمساك والمنع؛ ومن الأسماء حاجز الماء والماء المجتمع. لسان العرب
العبرية חִבֵּשׁ (حِبّيش)؛ ḥibbēš (حِبّيش) صيغة من جذر ح-ب-ش بمعنى الربط والكفّ؛ تستعمل لكفّ الأنهار في أيوب ٢٨:١١. معجم براون ودرايفر وبريغز
الآرامية والسريانية חבש (حَبَش)، ܚܒܫ (حَبَش)؛ ḥbš (ح-ب-ش) الحبس والإحاطة والاحتواء؛ يسجل المعجم أيضاً جمع الأشياء وصيد السمك. المعجم الآرامي

ونجد للحبس ألفاظاً قريبة في العبرية والآرامية، تحفظ الحاء والباء وتجيء فيها الشين بإزاء السين العربية. وفي سفر أيوب وصف لاستخراج المعادن وشق الصخر، يرد فيه كفّ الماء بلفظ من ح-ب-ش. يشترك اللفظ هنا مع العربية في معنى الإمساك والمنع، وفي اتصاله بعمل الإنسان في الأرض.

من «حبس» إلى «أپسو»

تقابل قراءة ذوق حروف الاسم بحروف «حبس» هكذا: حاء تسقط في أوله، وباء تقابلها پ، وسين تبقى سيناً. وسقوط الحاء هو المتوقع في الأكدية، فقوانين المشروع الصوتية تسجل أن الحاء والعين والهاء تختفي فيها غالباً. ويذكر المقال البابلي في المشروع القراءة نفسها، «حَبَسَ» بالقلب، أي الماء المحبوس تحت الأرض. أما الحركات، ومنها الضمة الطويلة في آخر الاسم، فتحتاج إلى شواهد تؤرخ انتقال الصيغة؛ والمعاجم توثق معنى الحبس المائي، ولا توثق بمفردها مراحل تغير الاسم.

قراءات أخرى للاسم

وتوجد اقتراحات أخرى تنظر إلى ناحية مختلفة من الاسم أو الحكاية. منها وصله بـ«عَبَسَ»، أي قطّب وجهه وتجهّم، على أساس أن أبسو يضيق بأبنائه. هذه قراءة مقترحة في الموسوعة تصف حال الشخصية الغاضبة. ومنها وصله بـ«فاض وأفاض»، بالنظر إلى كثرة الماء وخروجه؛ وهي قراءة واردة في المقال البابلي الأصلي، وتبقى فيها مقابلة الضاد بالسين وموقع الياء من جذر ف-ي-ض بحاجة إلى بيان.

ويقترح المقال نفسه فهم الاسم مركباً من «أب» و«سو»، بمعنى أب الماء أو مصدره. يناسب ذلك صورة الأب المائي في القصيدة، غير أن معنى «سو» بوصفه جزءاً من هذا الاسم لم يُوثق في الشواهد المعجمية المذكورة. والمعجم يقابل بين «أبزو» السومرية و«أپسو» الأكدية كاملتين، ويعطي الكلمة معنى الماء الجوفي وما يتصل به.

وهناك قراءة «أب المعرفة»، على وصل «أب» العربية بالفعل السومري «زو»، الذي يعني عرف وتعلّم وعلّم. ويساعد على فهم سبب هذا الاقتراح أن إيا، ساكن أبزو، معروف بالحكمة. معنى «زو» موثق في المعجم؛ أما جمعه مع «أب» وتفسير الاسم كله بأب المعرفة فهو اجتهاد صاحب القراءة.

السياق التاريخي

عرفت بلاد الرافدين اسم «أبزو» قبل أن تصلنا قصة الأب الذي قتله إيا. فالمعجم السومري يسجل شواهده منذ عصر فجر السلالات الثالث، في الألف الثالث قبل الميلاد. ومن آثاره آجرة عُثر عليها في أور، تحمل نقشاً من عهد أمار-سين «أَمَار-سِين» يتصل بأبسو إنكي. يحفظها متحف بنسلفانيا برمز الفهرسة B16538 (بي 16538)، وهو معرّف لا يُنطق كلمة، ويؤرخها بنحو 2100–2000 ق.م. وهي تشهد لاستعمال الاسم في البناء الديني آنذاك؛ أما تاريخ نشأة قصة مقتله فلا تعينه هذه الآجرة.

وتختلف صورة أبزو من نص إلى آخر. ففي القصيدة السومرية «رحلة إنكي إلى نيبور» نجده متصلاً بمعبد إنكي في إريدو، جنوبي العراق. وفي «إينوما إيليش» نجده عند بدء الخليقة، ثم تتتابع الأحداث حتى يصير مردوخ سيداً وتُعظَّم بابل. فالقصيدة الثانية تضع الحادثة قبل انتظام العالم، لا في سنة معلومة من تاريخ البلاد.

الأسرة والصلات

الاسم علاقته بأبسو النص وما يوضحه
تيامات شريكته في الإنجاب وزوجته اللوح الأول، 3–14 و35–46؛ تعارض خطته لإهلاك ذريتهما
لخمو ولخامو، ثم أنشار وكيشار الأجيال الأولى في تسلسل النشأة الأول، 9–16؛ يليهم آنو ثم نوديمود، أي إيا
إيا/إنكي من الأجيال اللاحقة؛ يقتل أبسو الأول، 59–78؛ يقيم في أبسو مع زوجته دامكينا
مومّو وزير أبسو ومستشاره الأول، 29–54؛ يؤيد خطته، ثم يأسره إيا
مردوخ يولد في أبسو بعد مقتل الشخصية الأول، 79–84؛ أبوه إيا وأمه دامكينا
كينغو/قِنْگو ترفعه تيامات إلى القيادة لاحقاً الأول، 147–158؛ لا يصرح هذا المقطع بأن أبسو أبوه المباشر

تبدأ القصيدة بأبسو وتيامات، فلا تسمي لأبسو أباً ولا أماً. أما مومّو، الذي يخاطبه بلفظ الأب، فتقدمه وزيراً ومستشاراً له. والأب هنا نداء من تابع إلى سيده، لا خبر صريح عن نسبه.

السرديات الأسطورية الرئيسة

تفاصيل مقتل أبسو

حين يبلغ الأبناءَ خبرُ الخطة يسكتون من الخوف، وتعترف تيامات بسوء سلوكهم دون أن تقبل قتلهم. وبعد أن ينام أبسو ينزع إيا تاجه وما عليه من هيبة قبل أن يقيده، ويأسر مومّو ويمسك بحبل أنفه، في صورة إذلال الأسير. ثم يستريح في مسكنه الجديد مع زوجته دَامْكِينا. ينقل هذا الفعل المكان والسلطان معاً من الأب الأول إلى إيا.

أبزو في المعبد

في «رحلة إنكي إلى نيبور» تمتد أساسات المعبد إلى أبزو، وتُسمع فيه الموسيقى والغناء، ويسمى أيضاً إي-إنگورا «إِي-إِنْگُورا». يبنيه إنكي ثم يرحل إلى نيبور، ويقيم وليمة للمعبودات احتفاءً بما بناه.

القراءة الرمزية

الماء والقناة والسلطة

يفسر ذوق «حبسو» بالماء المحبوس في باطن الأرض، ثم يصله بالنبع والنهر. وبهذا يصير استيلاء إيا على أبسو في القراءة العروبية تصويراً لانتقال الماء الكامن إلى من يفتح مجراه ويدبر الانتفاع به.

ولهذه الصلة بين إيا وتدبير الماء شاهد من عمل الناس. ففي طقس لفتح قناة وصلنا على لوح من نينوى موسوم K.2727+ (كاف 2727 زائد)، وهو رقم فهرسي لا كلمة منطوقة، يوضع وعاء ماء عند مدخلها، وتُقدَّم لإيا تماثيل سلاحف، ويُخاطب بلقب ملك أبزو. يجمع الطقس عمل القناة وتطهيرها والتوجه إلى إيا الذي ينظم الماء والعمران. إن فتح مجرى للماء شأن زراعي يحتاج إليه الناس في معاشهم، وهو في هذا النص شأن ديني أيضاً.

وتبقى في قصة أبسو أحوال مألوفة من حياة الأسرة والحكم. فتيامات تعترض على قتل الأبناء مع أنها شريكة أبسو، ومومّو يوافق سيده، وإيا ينقذ جيله بما يعرف من التعاويذ. ينتقل السلطان من الأب الأول إلى أحد ذريته، وتكون المعرفة سبب الغلبة. لذلك يحمل الصراع معناه المائي وصورته الإنسانية معاً: مورد يستولى عليه، وأسرة يختلف أهلها، وسلطة تتبدل.

ويمضي ذوق في دراسته لملحمة الخليقة إلى تفسير أوسع، فيقرأ أسماء المعبودات على أنها مواد كونية، ويشرح الولادات والصراع بأحوال تلك المواد وتكوّنها. هذه قراءته الكونية للقصيدة؛ أما الأشخاص والحوار والقتل فهي الصورة التي صيغت بها الرواية القديمة.

التوازيات عبر الحضارات

يميز القرآن في سورة الفرقان بين الماء العذب الفرات والماء الملح الأجاج، ويذكر البرزخ بينهما. وهذا التمييز يعين على فهم اختلاف الماء العذب المنسوب إلى أبسو عن ماء البحر المنسوب إلى تيامات. لكن صورة الخلق تختلف: الفعل في الآية لله، والماء لا يظهر أباً ولا أماً كما يظهر في القصيدة البابلية. وفي سورة الملك يأتي السؤال عمن يأتي الناس بماء معين إذا غار ماؤهم. وهو سؤال يتصل بحاجتهم المباشرة إلى الماء: فوجوده في باطن الأرض لا يغني عن القدرة على الوصول إليه.

ولأبزو صلة بخلق الإنسان في قصة سومرية أخرى، هي «إنكي وننماخ». تطلب نَمّا، أم إنكي من ابنها أن يصنع من يحمل العمل عن المعبودات، فيأمر بعجن الطين المأخوذ من سطح أبزو، وتشارك معبودات الولادة في صنع الإنسان. الماء هنا ملازم للطين الذي يتكون منه الجسد، والولادة ملازمة للعمل الذي سيحمله المخلوق الجديد. وتجمع القصة بذلك بين مادة الإنسان وحاجات المجتمع الذي سيعيش فيه.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. المعجم السومري: أبزو، آجرة أور: الألفاظ والشواهد.

  2. إينوما إيليش، ترجمة لامْبِرْت، رحلة إنكي إلى نيبور: روايتان مختلفتان لدور أبسو/أبزو.

  3. بارالي وغباي: طقس فتح قناة من نينوى: النص الطقسي وتفسيره؛ والمعاني العربية من مداخل المعاجم المرتبطة أعلاه.

  4. ذوق عن إنكي وأبسو، وقراءته لملحمة الخليقة: مصدر تفسير «حبسو» المائي ثم الكوني؛ والمعاجم المرتبطة أعلاه شواهد مستقلة لألفاظ الحبس.

  5. معجم لين، حبس
  6. قائمة العلامات
  7. المعجم السومري، أبزو: الصيغ والمعادلات
  8. معجم براون ودرايفر وبريغز
  9. المعجم الآرامي
  10. أيوب ٢٨:١–١١
  11. لين، عبس
  12. المعاني المعجمية للفيض
  13. المعجم السومري، زو
  14. الفرقان 53
  15. الملك 30
  16. إنكي وننماخ، 12–37