جشتينانا

ملخص

جِشْتِينَانّا أخت دموزي الراعي في أساطير سومر، وابنة أمّهما دُورْتُور. يناديها أخوها في «حلم دموزي» بأوصافها: «كاتبتي الحاذقة في الألواح، ومغنّيتي العارفة بالأغاني، وفتاتي النبيهة، وحكيمتي التي تعرف معاني الأحلام».

وقصّتها قصّة وفائها لأخيه. يستيقظ دموزي مذعوراً من حلم، فيدعوها ويقصّه عليها: قصب ينبت حوله، وقصبة واحدة تهزّ رأسها له، وقصبتان توأمان تُفصل إحداهما عنه، وماء يُصبّ على جمره، وغطاء مخضّه يُرفع، وقدحه يُنتزع من وتده، وعصا الرعي تضيع، والمخاضّ ملقاة على جنبها لا لبن فيها، ودموزي ميت. فتفسّره له قطعة قطعة: القصب لصوص في كمين، والقصبة التي تهزّ رأسها أمّه تهزّ رأسها عليه، والقصبتان التوأمان «أنت وأنا، يُفصل أحدنا عنك»، والعصا سيحرقها الشياطين، والتيوس التي تجرّ لحاها في التراب شعري يتطاير لك في الريح، والكباش التي تحفر الأرض بأرجلها أظافري تخدش خدّي عليك. ثم تصعد على تلّ لترى، فتخبرها صاحبتها جِشْتِينْدُودُو أنّ الرجال الذين يقيّدون الأعناق قادمون. فيختبئ دموزي في العشب وفي خنادق أَرالي، ويطلب منها ألّا تدلّ عليه، فتقسم: إن دللتُ عليك فليأكلني كلبك.

ويأتي الشياطين، وهم قوم «لا يعرفون طعاماً ولا شراباً، ولا يقبلون هدية». يمسكونها عند الحظيرة، ويعرضون عليها نهراً بمائه فترفض، وحقلاً بحبّه فترفض. فيقول بعضهم لبعض: «من عرف منذ أقدم الزمان أختاً تدلّ على مكان أخيها؟ تعالوا إلى صديقه». فيعرضون النهر والحقل على صديقه فيقبلهما، ويدلّهم عليه. فيقول دموزي حين يُمسك: «في المدينة أنقذت أختي حياتي، وصديقي جلب موتي». وفي قصيدة أخرى، «دموزي وجشتينانا»، يصيبونها بمرض في جلد حقويها، ويخدشون وجهها، ويصبّون القار في حِجرها، فلا تقول لهم كلمة. ثم يجدونه في الحظيرة ويرفعون عليه الفأس ويحطّمون كوخه، فتطوف في المدينة كالطائر وتقول: «يا أخي، دعني آخذ عنك المصيبة الكبرى».

وتُستجاب في آخر «نزول إنانا». بعد أن تسلّم إنانا زوجها دموزي بديلاً عنها إلى العالم السفلي، تبكيه بكاءً مرّاً، ثم تقضي: «أنت نصف السنة، وأختك نصف السنة: يوم تُطلب أنت تبقى هناك، ويوم تُطلب أختك تُطلق أنت».

والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ وفاء الأخت لا يُشترى. النهر والحقل اللذان يرفضهما رسولا إنكي في دار إريشكيغال يُعرضان عليها هنا ثمناً لأخيها فترفضهما، ويقبلهما الصديق. ومن رفضت أن تسلّم أخاها تقاسمه غيابه في الآخر: نصف السنة له في الأسفل ونصفها لها، فلا تأخذ دار الموتى منهما إلّا واحداً في كلّ مرّة. وهي في القصّتين التي تقرأ العلامات: قرأت الموت في حلم أخيها قبل أن يقع، ثم صارت في التقليد البابلي بِيلِت صِيري، كاتبة العالم السفلي التي تجثو أمام إريشكيغال وتقرأ لها اللوح.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب ᵈŋeštin-an-na «جِشْتِين-أَنّا»، ومعناه في السومرية «كرمة السماء» أو «خمر السماء»: ŋeštin «جِشْتِين» الكرمة وعنبها وخمرها، وan-na «أَنّا» للسماء أو لآن. وتقرؤه المقالة السومرية «عِنَب السماء» أو «كَرْمة العُلا». والعنب في معجم لين ثمر الكَرْم، والكَرْم في لسان العرب العنب نفسه، وبالكلمة نفسها فسّر الأكديون ŋeštin «جِشْتِين» في معاجمهم: karānu «كَرانُو»، الخمر والكرمة والعنب، وهي «كَرْم» العربية و«كِيرِم» العبرية. أمّا «آنا» فهو آن الذي يُقرأ في صفحته من «عنا» و«عَنان السماء». فجشتينانا «كرمة السماء»، والاسم يضعها بإزاء أخيها: أشياء دموزي في القصّة المخضّ واللبن والقدح، وشيء أخته في اسمها الكرمة وخمرها.

الجذر اللغوي

الصيغ المكتوبة

الصيغة النطق التقريبي الموضع
ᵈŋeštin-an-na «جِشْتِين-أَنّا» جِشْتِينانّا الكتابة السومرية؛ ŋ نون حلقية قريبة من الگاف
ᵈTIN-an-na «تِين-أَنّا» تِينانّا الاسم بالعلامة الثانية وحدها
ᵈmu-tin-an-na «مُو-تِين-أَنّا» مُوتِينانّا لهجة الإيمسال
Ama-ŋeštin-anna «أَمَا-جِشْتِين-أَنّا» أَماجِشْتِينانّا «الأمّ جشتينانا»، في «حلم دموزي» 83
ᵈbe-let-EDIN «بِيلِت صِيري» بِيلِت صِيري اسمها البابلي منذ العصر البابلي القديم

تتألّف ŋeštin «جِشْتِين» من علامتين: ŋeš «جِش»، علامة الشجر والخشب، وtin «تِين»، ومعناها في المعجم السومري الخمر. ولهذا تكفي العلامة الثانية لكتابة الاسم، وتضع لهجة الإيمسال mu «مُو» مكان ŋeš «جِش» كما تفعل في كلمات الشجر. فالكرمة في السومرية «شجرة الخمر». وفي المعاجم الأكدية تُشرح ŋeštin «جِشْتِين» وmu-tin «مُو-تِين» كلتاهما بـkarānu «كَرانُو»، وفيها ama-ŋeštin «أَمَا-جِشْتِين»، «أمّ الكرمة»، اسماً لأصل الكرمة. ويقارن معجم براون ودرايفر وبريغز karānu «كَرانُو» بالعبرية «كِيرِم»، الكرم، وبالآرامية «كَرْما» وبالعربية «كَرْم». فالكلمة التي فسّر بها الكتبة اسمها مشتركة بين فروع اللسان.

وتشتقّ المقالة ŋeštin «جِشْتِين» من «عِنَب» بإبدال العين جيماً، ثم تجعل «تين» صورة أخرى لآخر الكلمة. وهذا الطريق لا يفسّر الشين ولا التاء، ولا يُعرف بين الفروع عين تصير جيماً. فقراءة «عنب السماء» قراءة لمعنى الاسم، وهو معنى ثابت في السومرية نفسها، وأمّا أصواته فما زالت تحتاج إلى قراءة.

وتقترح المقالة قراءة ثانية تحفظ الأصوات كلّها: «جَشّ + تين». الجيم العربية كانت في أصلها قريبة من الگاف، فتقابل ŋ «ج»، والشين شين، وtin «تِين» هي «تِين» بحروفها. والجَشّ في معجم لين طحن الحَبّ أو دقّه دقّاً خشناً، والتِّين شجرة معروفة وثمرها. غير أنّ tin «تِين» في السومرية الخمر، والتين في العربية ثمر شجرة أخرى. فهذه القراءة تحفظ الحروف وتغيّر الثمرة، والأولى تحفظ الثمرة وتترك الحروف.

بيلت صيري

اسمها البابلي bēlet ṣēri «بِيلِت صِيري»، «سيّدة البرّية». وbēlet «بِيلِت» مؤنّث bēlu «بِيلُو»، وهو «بَعْل» العربية بعد سقوط العين كما في صفحة إنليل، فهي «بَعْلة». وṣēru «صِيرُو» في الأكدية الظهر، ثم الأرض المكشوفة خارج المدينة، وهو «ظَهْر» العربية. ويشهد لذلك معجم براون ودرايفر وبريغز، فهو يقارن العبرية «صُوهَر»، سقف سفينة نوح، بالعربية والآشورية في معنى الظهر: الظاء العربية صاد في العبرية والأكدية، والهاء التي بقيت في العربية والعبرية سقطت في الأكدية كما تسقط فيها حروف الحلق، وتركت مكانها حركة طويلة. فبيلت صيري «بعلة الظَّهر»، صاحبة الأرض المكشوفة التي يخرج إليها الراعي، وهي البرّية التي فرّ إليها أخوها.

السياق التاريخي

ترجع أقدم شواهد جشتينانا إلى أواخر عصر السلالات المبكرة، وكانت تُعبد في جنوب بلاد الرافدين، في نيبور وإيسن وأوروك في العصر البابلي القديم، ولا تُعرف لها صورة. وتمدحها أناشيد الملك شولگي بالموسيقى وفنّ الكتابة. ويبدو أنّ عبادتها لم تبقَ بعد العصر البابلي القديم، وبقي اسمها في قوائم المعبودات وفي الأدب الأكدي حتى العصر السلوقي، باسمها السومري وباسم بيلت صيري.

الأسرة والصلات

الشخصية الصلة أين ترد؟
دموزي أخوها «حلم دموزي»؛ «دموزي وجشتينانا»
دورتور أمّها «حلم دموزي»، 5–14؛ أوراك
إنانا زوجة أخيها، تقسم السنة بينهما «نزول إنانا»، 404–410
أوتو أخو إنانا، يعين دموزي في فراره «حلم دموزي»، 165–180
نينگيشزيدا زوجها في مجمع لگش أوراك
بليلي تُعدّ أختها في تقليد آخر أوراك
إريشكيغال تجثو أمامها كاتبةً باسم بيلت صيري جلجامش، اللوح السابع

السرديات الأسطورية الرئيسة

الكاتبة في دار الموتى

يرى إنكيدو في حلمه قبل موته، في اللوح السابع من ملحمة جلجامش، «بيت التراب»، حيث يأكل الموتى الطين ويشربون التراب، ويرى فيه إريشكيغال ملكة العالم السفلي، وأمامها بيلت صيري، «كاتبة العالم السفلي»، جاثية، تمسك اللوح وتقرؤه عليها. فترفع رأسها حين تراه وتقول: «من أخذ هذا الرجل؟». فالتي كتبت وقرأت لأخيها في سومر صارت تقرأ في الأسفل أسماء الداخلين.

الذباب والأخت

وفي آخر «نزول إنانا» تبحث إنانا عن زوجها الذي أفلت من الشياطين في صورة أفعى، فتقول لها ذبابة: إن دللتك على رجلك فما جزائي؟ فتعدها، وتقضي للذبابة بأن تعيش في بيت الجعة والحانة. ثم تأتي إلى «الأخت» وتأخذ بيدها وتقسم السنة. ولا يذكر النصّ الباقي اسم الأخت، لكنّ المقسوم له هو دموزي، وأخته في سائر القصص جشتينانا.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير السومرية نصف السنة الذي يقضيه دموزي في الأسفل أشهرَ الجفاف الستّة في العراق القديم، من أيّار إلى تشرين الأوّل. وعلى هذه القراءة يكون نصف الأخت هو الأشهر الأخرى من السنة، فيغيب أحد الأخوين دائماً ويحضر الآخر.

وفي النصوص نفسها مادّة اجتماعية واضحة. الأخت والصديق يُعرض عليهما الثمن نفسه، النهر والحقل، أي الماء والحَبّ اللذان تقوم بهما الحياة، فتردّه الأخت ويأخذه الصديق. فالقرابة في القصيدة تثبت حيث تسقط الصحبة، والكلمة التي يقولها دموزي، «أنقذت أختي حياتي، وصديقي جلب موتي»، خلاصة هذا الحكم. وحين يصل دموزي إلى حظيرتها تصيح نحو السماء ونحو الأرض، وتخدش عينيها ووجهها وأذنيها، وهي أعمال الحداد نفسها التي تصنعها نِينْشُوبُور لإنانا في «نزول إنانا»: تنوح على الخرائب، وتضرب الطبل، وتخدش عينيها وأنفها.

التوازيات عبر الحضارات

تقضي بيرسيفوني ثلث السنة تحت الأرض لأنّها أكلت حبّة الرمّان، وتقضي جشتينانا نصف السنة في الأسفل لأنّها رفضت أن تسلّم أخاها. وتقابلها المقالة السومرية بها صراحة، وتجعلها نموذج دورة الفصول قبل بيرسيفوني بألف عام. غير أنّ بيرسيفوني تُحبس بطعام أكلته، وجشتينانا تدخل بإرادتها، بوفاء لم تُعطه للشياطين.

وتخرج عنات تبحث عن أخيها بعل حين يبتلعه موت وتبكيه، وتبكي نفتيس مع أختها أخاهما أوزيريس وتحرس جسده. فالأخت التي تنوح على أخ أخذه الموت وتسعى إليه مشهد يتكرّر في سومر وأوغاريت ومصر، ويختلف ما تصنعه: عنات تقتل الموت، ونفتيس تحرس الجسد، وجشتينانا تقاسم أخاها مدّته.

وهي أوضح شواهد الثمن الذي يُدفع للخروج في النزول إلى العالم السفلي، والأخت التي تقتسم الغياب في الموت والعودة.

وفي الشمال يركب هرموذر إلى دار هيل في طلب أخيه بالدر، ويأخذ من ملكتها شرطاً لعودته لا يتمّ، وجشتينانا تفي لأخيها دموزي فتقاسمه غيابه نصف السنة، فكلاهما يطلب من دار الموتى أخاً، وخبره في هرموذر.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. حلم دموزي، دموزي وجشتينانا، نزول إنانا، مجموعة النصوص السومرية بأكسفورد.

  2. نيكول بريش، «جشتينانا وبيلت صيري»، أوراك.

  3. ملحمة جلجامش، اللوح السابع، ترجمة كوفاكس.

  4. المعجم الآشوري لجامعة شيكاغو، المجلّد ك، ص 202؛ المعجم السومري الإلكتروني، tin «تِين».

  5. براون ودرايفر وبريغز، «كِيرِم» و«صوهر».

  6. معجم لين، عنب وجشّ وتين وظهر؛ لسان العرب، كرم.

  7. ترنيمة ديميتر.