الرئيسية/الكيانات/شَحَر وشالِم

شَحَر وشالِم

ملخص

شَحَر وشالِم توأمان من أبناء إيل في ألواح أُوغارِيت، شحر هو الفجر وشالم هو الغسق، ويقرنهما الباحثون بكوكب الصباح وكوكب المساء. وأتمّ خبرهما في لوح يُسمّى «الآلهة اللطيفة»، اللوح 1.23، وهو نصّ يمزج قصّة بتعليمات طقس كانت تُتلى في وليمة.

تبدأ القصّة حين يخرج إيل إلى شاطئ البحر، إلى ساحل الغمر. وهناك امرأتان عند قِدر، تنحني إحداهما وتنهض الأخرى، فتنادي واحدة «يا أبي، يا أبي»، والأخرى «يا أمّي، يا أمّي». ويصف النصّ رجولة إيل وصفاً صريحاً، فيجعلها طويلة كالبحر. فيأخذ المرأتين إلى بيته، ويرمي عصاه إلى السماء فيُسقط طائراً، فينتفه ويضعه على الجمر. وكلّما نضج الطائر نادته المرأتان مرّة «يا زوجي» ومرّة «يا أبي»، والنصّ يردّد: «المرأتان امرأتا إيل، امرأتا إيل إلى الأبد». ثم ينحني فيقبّل شفتيهما، وهما حلوتان كالرمّان، «من القبلة كان الحمل، ومن العناق كان الإخصاب»، فتلدان شحر وشالم. ويُحمل الخبر إلى إيل: «ولدت امرأتا إيل». «ماذا ولدتا؟» «وُلد شحر وشالم». فيأمر: «ارفعوا قرباناً لشبش، السيّدة العظيمة، وللنجوم».

ثم تلد المرأتان «الآلهة اللطيفة» شرهين منذ ولادتهما، يرضعان أثداء السيّدة. «شفة إلى الأرض، وشفة إلى السماء، فتدخل في أفواههما طيور السماء وسمك البحر، ويأكلان بأيديهما من اليمين والشمال ولا يشبعان». فيقول لهم إيل: «يا امرأتيّ اللتين تزوّجت، ويا ابنيّ اللذين ولدت، أقيموا منصّة في وسط البرّية المقدّسة، وهناك تسكنون بين الحجارة والشجر». فيطوف الإلهان سبع سنين، ثمانية أدوار، في البرّية وعلى طرف الصحراء، حتى يلقيا حارس الأرض المزروعة، فيصيحان: «يا حارس، يا حارس، افتح!» فيفتح لهما ويدخلان: «إن كان عندك طعام فأعطنا نأكل، وإن كان عندك خمر فأعطنا نشرب». فيجيبهما الحارس بأنّ عنده خمراً، وينكسر اللوح.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الفجر والغسق طرفا اليوم، يولدان معاً من أب واحد، ويمتدّ فمهما من الأرض إلى السماء كما يمتدّ ضوؤهما على الأفق، ثم يقفان على الحدّ بين البرّية والأرض المزروعة حتى يُفتح لهما. ويقرأ باردي لقبهما في اللوح «اللذان يحدّان اليوم». ويرى وايت أنّ هذا سبب مجيء شالم آخر الآلهة في قوائم أوغاريت، كما يأتي الغسق آخر اليوم.

أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا: كُتبا في أوغاريت šḥr «ش-ح-ر» وšlm «ش-ل-م»، والشين الكنعانية تقابلها السين العربية في هاتين الكلمتين. فشحر هو «السَّحَر» العربي، وهو في معجم لين الوقت الذي قبل الفجر، آخر الليل، وسُمّي بذلك لأنّه وقت ذهاب الليل ومجيء النهار. وشالم من «سَلِمَ» و«السلامة» و«التمام»، وهو في العبرية šālēm «شَالِيم»، التامّ الكامل، وفي الأكدية يُسمّى غروب الشمس šalām šamši «شَلَام شَمْشِي»، أي تمام الشمس. فشالم هو تمام اليوم، الغسق الذي تكتمل به الشمس فتغيب. وهاتان قراءتا المقالة الكنعانية: «سحر» للفجر، و«سالم» للسلام والتمام والغسق.

الجذر اللغوي

شحر و«السَّحَر»، وشالم و«السلامة»

الصيغة النطق الموقع
šḥr «ش-ح-ر» شَحَر الأوغاريتية: الفجر، والغد، واسم المعبود
šlm «ش-ل-م» شَلِم الأوغاريتية: صحّ وسلم، واسم المعبود
šḥr w šlm «ش-ح-ر و ش-ل-م» شحر وشالم اسماهما معاً في قوائم الآلهة ورقى الحيّات
Šalimu «شَلِمُ» شَلِمُ الأكدية في قائمة الآلهة الأوغاريتية
שַׁחַר šaḥar «شَحَر» شَحَر العبرية: الفجر
שָׁלֵם šālēm «شَالِيم» شاليم العبرية: التامّ، السالم
šalām šamši «شَلَام شَمْشِي» شلام شمشي الأكدية: غروب الشمس، والمغرب
السَّحَر، السَّلامة، السالم العربية

الحروف الثلاثة في كلّ اسم حاضرة في العربية بترتيبها، والفرق الوحيد الشين، وهو فرق مطّرد: الكلمة التي أوّلها شين في الأوغاريتية والعبرية يكون أوّلها سيناً في العربية في هذه الأسرة، كـšlm «ش-ل-م» و«سلم»، وšmʿ «ش-م-ع» و«سمع». وفي معجم لين للسَّحَر وقتان: السحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، كما يقال الفجر الكاذب والصادق، ومن معانيه أيضاً بياض يعلو السواد. وهذا ما يفعله شحر في اللوح: يولد قبل أخيه أو معه، وهو أوّل الضوء.

وفي معجم لين «سَلِمَ» نجا وخلص من الآفات، و«سَلِمَ من العيب» برئ من النقص، و«السلام» الأمن. ويضيف الشاهد الأكدي ما لا يذكره المعجم العربي صريحاً: الفعل šalāmu «شَلَامُو» فيها صحّ وسلم، ومن معانيه أن يبلغ الشيء تمامه، واسمه šalāmu «شَلَامُو» يعني غروب الشمس، فيقولون «فتحت المدينة قبل غروب الشمس»، ويسمّون البحر الأبيض «بحر مغرب الشمس». فالمعنى الجامع أنّ الشيء يتمّ ويسلم فينتهي، والغسق تمام النهار.

لقبهما «الشرهان» أو «الجازران»

يسمّي اللوح التوأمين agzrym «أ-ج-ز-ر-ي-م»، ويترجمه وايت وغيره «الشرهين»، ويقارنون فعلاً عبرياً في إشعياء 9:19 جاء مع الأكل ومعناه الأصلي قطع وقسم، ويترجمه باردي «اللذين يحدّان اليوم». والجيم العربية تقابل الجيم الصلبة كما في داجان، فالمادّة «جَزَر»، وهي في معجم لين قطع الشيء، و«جزر الجزور» نحرها وسلخها. فالتوأمان على هذه القراءة، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، «الجازران»: يقطعان طرفي اليوم، ويأكلان كمن ينحر لنفسه.

أورشليم وشالم

يُكتب اسم أورشليم في نصوص اللعن المصرية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد بما يقرأ «روشالمم»، وفي رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر u₂-ru-ša₁₀-lim «أُورُوشَلِم»، وفي الأشورية ur-sa-li-im-mu «أُورْسَلِمُّو»، وفي العبرية יְרוּשָׁלַם Yərûšālēm «يِرُوشَالِيم». ويقول معجم براون ودرايفر وبريغز إنّ أصل الاسم ومعناه غير مؤكّدين، ويذكر الأقوال: «أساس السلام» أو «أساس شاليم» من الفعل العبري yārâ «يَارَا» بمعنى أرسى الأساس، و«مدينة شاليم» من كلمة سومرية للمدينة، و«ميراث السلام». وأشهرها عند الباحثين «أساس شالم»، ويسنده أنّ سفر التكوين يسمّي ملكي صادق «ملك شاليم» وكاهن «إيل عليون»، وإيل في أوغاريت أبو شالم، وأنّ المزمور 76 يجعل شاليم وصهيون واحداً. ويرى هوفمون أنّ الشاهد على عبادة شالم في المدينة نفسها ضعيف، وأنّ اسمَي أبشالوم وسليمان أقرب إلى أسماء تعزية بميّت.

والجزء الثاني من الاسم «شالم» قراءته واضحة. أمّا الأوّل فنقرؤه «قراءة مقترحة على المنهج» من الفعل الذي يأتي في العبرية بمعنى وضع الحجر ونصب العمود: «من وضع حجر زاويتها» في سفر أيّوب، و«العمود الذي نصبته» في سفر التكوين، وفي آرامية زنجرلي yry «ي-ر-ي» بمعنى نصب وأسّس. ويقابله في العربية «أَرَّى الشيءَ»: أثبته وأقرّه، و«تأرّى بالمكان»: أقام فيه، و«الآريّ» محبس الدابّة والحبل الذي تُشدّ إليه، وفي رجز العجّاج «لها آريّ» أي أساس ثابت. والفعل العبري من الأفعال التي أوّلها واو في الأصل، والواو تصير همزة في أوّل الكلمة العربية كما في «ورّخ» و«أرّخ». فأورشليم على هذه القراءة «مُثبَت شالم»، الموضع الذي أُرسي لشالم وأقام فيه. ويبقى أن يُعرف أكان الجزء الأوّل فعلاً ساميّاً أم كلمة «المدينة» السومرية.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الطقس الذي يحيط بالقصّة

يبدأ اللوح بدعوة: «أدعو الآلهة اللطيفة الجميلة»، ثم بأمر للحاضرين أن يأكلوا من الطعام ويشربوا من الخمر، وبتحيّة: «السلام عليك أيّها الملك، السلام عليك أيّتها الملكة، وعلى الكهنة وخدم المعبد». وبين أجزاء القصّة سطور تأمر بأن يُتلى المقطع سبع مرّات على المنصّة، وأن يُطبخ الكزبر في اللبن على النار سبع مرّات، ويُحرق البخور على القِدر سبع مرّات. ويقول وايت إنّ الباحثين اختلفوا في الطقس: عيد للخصب، أو صلاة في مجاعة، أو عيد للقطاف وأوّل السنة كما يرى باردي، ويرى وايت فيه عرساً ملكياً.

شحر وشالم في الرقى والقوائم

في رقية الحيّة، اللوح 1.100، تبعث الفرس صوتها مع شبش «إلى شحر وشالم في السماء»، فلا يدفعان السمّ. وفي اللوح 1.107 يُطلب أن «يجمع شحر وشالم السمّ». وفي قوائم الآلهة يأتيان زوجاً بين أزواج، ويأتي شالم وحده آخر القائمة، وتقرّب له قرابين القوائم. ويُعبد شحر في إيمار على الفرات مع معبودات العالم السفلي ومع صاحب العاصفة، ويقترن في كتابات جنوب الجزيرة العربية القديمة بعثتر.

ابن الفجر في سفر إشعياء

في إشعياء 14 يسخر النبيّ من ملك بابل حين يسقط إلى عالم الموتى: «كيف سقطت من السماء يا هيلل بن شحر، يا كوكب الصبح ابن الفجر»، وقد قال في قلبه أصعد إلى السماء، وأرفع كرسيّي فوق كواكب إيل، وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال، وأصير مثل العليّ. ويرى باركر أنّ هذا الكلام يحفظ أسطورة لم تصلنا يكون فيها شحر أبا كوكب الصبح. وفي سفر أيّوب «أجفان الفجر»، وفي المزمور 139 «أجنحة الفجر».

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الكنعانية شحر إله الفجر والنور الأوّل، صورة البداية الجديدة والأمل والبشرى، وتقرأ شالم إله الغسق والمساء والسلام والراحة، صورة نهاية اليوم والسكون والاكتمال، وتجعلهما معاً «تقسيم اليوم الإلهي»: الفجر مقابل الغسق، كما الحياة مقابل الموت في بعل وموت.

وفي اللوح نفسه يجتمع الطبيعي والإنساني. الأب الشيخ يتزوّج عند البحر، ويُقرَّب للشمس وللنجوم حين يولد ولداه، فولادتهما ولادة الضوء على حافّتي اليوم. ثم يصيران ضيفين جائعين على باب الأرض المزروعة، يطلبان الطعام والخمر من حارسها، وهو مشهد يعرفه أهل الشام: أهل البادية على طرف الحقول، يطلبون الطعام من صاحب الأرض. ويرى وايت أنّ التوأمين «آلهة ملكية»، وأنّ القصّة نموذج لعناية كبير الآلهة بالعالم، يحقّقها الملوك من نسله.

التوازيات عبر الحضارات

اللوح 1.23 عرس يُتلى في وليمة، ويسمّيه وايت «طقس زواج مقدّس»، فمكانه في الزواج المقدّس إلى جانب عرس يرخ ونكّل، العرس الآخر في ألواح أوغاريت. والعرسان مختلفان: يرخ يدفع المهر بالميزان، وإيل يأخذ المرأتين على شاطئ البحر بطائر يشويه. وفي سومر يُنشد إدّين داجان لـإنانا «سيّدة المساء» حين تطلع كوكب الزهرة في المساء، ثم يروي عرسها بالملك؛ فنجم المساء وعرس الإلهة يجتمعان هناك كما يجتمع الغسق والعرس في أوغاريت. وفي إشعياء يصير ابن الفجر ملكاً متكبّراً يسقط من السماء، فيقابل في ذلك سقوط الطامعين في عرش السماء.

وفي الهند الفجر والليل أختان، تمشيان في طريق واحد على التناوب لا تتصادمان ولا تقفان، وتقرأ المقالة الهندية اسم الفجر مرّة من «العشاء»، كما تقرأ المقالة الكنعانية شحر من «السَّحَر»، في صفحة أوشا.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. وايت، «نصوص دينية من أوغاريت»، اللوح 1.23، ص 324–335، واللوح 1.100، ص 383، واللوح 1.107، ص 394.

  2. باركر، «شحر»، وهوفمون، «شاليم»، معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، ص 754–757.

  3. المعجم الأكدي لجامعة شيكاغو، ج 17/1 (Š/1)، ص 208.

  4. معجم لين، سحر وسلم وجزر وأري، ومعجم الأوغاريتية.

  5. براون ودرايفر وبريغز، «الفجر» و«التامّ» وأورشليم وyārâ «يَارَا»، وأوراك، أعلام رسائل العمارنة.

  6. إشعياء 14، والتكوين 14 و31، والمزمور 76، وأيّوب 38، ترجمة الجمعية اليهودية 1917؛ ونشيد إنانا وإدّين داجان.

  7. وايت، ص 330–333
  8. وايت، ص 334–335
  9. هوفمون، «شاليم»، ص 755
  10. وايت، ص 329