ملخص
الرفائيم في ألواح أُوغارِيت ملوك ماتوا فصاروا جماعة تُدعى وتُكرم، تكتبهم الألواح rpum «رافِئُوم» وrpim «رافِئِيم»، والواحد rpu «رافِئ»، ويترجم وايت اسمهم «المخلّصين». وهم في التوراة رَفائيم بمعنيين: أرواح الموتى في الهاوية، وقوم من العمالقة سكنوا البلاد قبل بني إسرائيل. ويرى أكثر الباحثين اليوم أنّ الرفائيم في أوغاريت أسلاف الملوك وقد صاروا آلهة، يحرسون دوام الأسرة المالكة ويهبون الملك الولد.
وأتمّ ما بقي من خبرهم ثلاثة ألواح مكسورة، 1.20 و1.21 و1.22. يدعوهم داعٍ مرّة بعد مرّة: «تعالوا إلى بيتي أيّها الرفائيم، إلى بيتي أدعوكم، إلى وسط قصري أناديكم»، فيسرعون إلى مكانه المقدّس، ويشدّون العربات ويربطون الخيل ويركبون، ويسيرون يوماً ويومين، فإذا طلعت الشمس في اليوم الثالث بلغوا البيادر والبساتين. ويُعدّ لهم ذبح البقر والغنم والعجول والجداء، والزيتون والتمر، وخمر من أعالي لبنان، فيأكلون ويشربون ستّة أيّام في بيت الوليمة العالي على قمّة لبنان، ثم ينقطع اللوح عند اليوم السابع. ويُسمّي اللوح منهم «ثَمَق، رافئ بعل، محارب بعل ومحارب عنات»، و«يَحْفَن» أمير الملك الدائم. وفي أوّل أحد الألواح يُقال لمخاطَب: «هذا ابنك.. هذا حفيدك في مقامك المقدّس».
وفي اللوح 1.161، وهو نصّ جنازة ملكية من آخر أيّام أوغاريت نحو سنة 1200 قبل الميلاد، يقف كاهن فيدعو الرفائيم بأسمائهم: «دُعيتم يا رفائيم الأرض، نوديتم يا جماعة دِدان»، ثم يدعو الملكين الميّتين عمّيثتمر ونقمد، ويأمر أن يُبكى عرش نقمد وموطئ قدميه ومائدته. ثم يقول: «انزلي يا شبش، انزلي أيّتها النيّرة العظيمة»، ويقول للملك الميت: «بعد أسيادك انزل إلى الأرض، واسقط في التراب»، إلى الرفائيم القدماء وإلى الملوك قبله. ثم تُقدّم سبع قرابين، ويختم الكاهن: «السلام على عمّورابي، والسلام على بيته، والسلام على أوغاريت وعلى أبوابها». وعمّورابي آخر ملوك أوغاريت.
والفكرة التي تدور عليها أخبار الرفائيم أنّ الملك لا يموت وحده، وإنّما ينضمّ إلى جماعة من الملوك قبله، وأنّ هذه الجماعة تعود إلى الأحياء لتبارك العرش. يُدعون إلى وليمة فيها الحبّ والزيت والخمر، ويُسألون الولد للملك الجديد، ويُدعون حين يموت الملك ليستقبلوه، ثم يُختم بالسلام على الملك الذي بعده. فالعرش ينتقل من ميّت إلى حيّ عن طريقهم. والتوراة تحفظ الصورة نفسها، لكنّها تقلبها: الرفائيم في إشعياء ملوك أموات يقومون عن كراسيهم في الهاوية ليلقوا ملك بابل حين يموت، ويقولون له: «أنتَ أيضاً ضعفتَ كما ضعفنا، وصرت مثلنا».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة الكنعانية الرفائيم من ر-ف-א، وتعطيه معنى الضعيف والشبح، فالرفائيم «الضعفاء» أو «الأشباح». وهذا هو المعنى الذي سمعه العبرانيون في الكلمة حين ردّوها إلى «رافا»، استرخى وضعف، ويقوله الموتى أنفسهم في إشعياء. لكنّ ألواح أوغاريت ونقوش الفينيقيين تكتب الحرف الثالث همزة، فالكلمة ر-ف-أ، وهي في العربية «رَفَأَ»: رفأ الثوب أصلحه وضمّ خرقه، ورفأ بين القوم أصلح بينهم، ورفأ الرجل سكّن روعه. ومنها تحيّة العرس عند العرب القدماء: «بالرِّفاء والبنين»، أي بالالتئام والاتّفاق وبالأولاد الذكور. والرفائيم في أوغاريت يُدعون ليهبوا الملك الولد، وفي العبرية من الجذر نفسه «رافا» الشفاء.
الجذر اللغوي
الرفائيم و«الرِّفاء»
| الصيغة | النطق | الشاهد |
|---|---|---|
| rpu «ر-ف-أ» | رافِئ | الأوغاريتية، المفرد |
| rpum، rpim «ر-ف-أ-م» | رافِئُوم، رافِئِيم | الأوغاريتية، الجمع في الرفع وغيره |
| rpʾm «ر-ف-أ-م» | رَفائِم | الفينيقية، نقشا تبنيت وأشمونعزر في صيدا |
| רְפָאִים «رِفَائِيم» | رِفائيم | العبرية: أرواح الموتى، والعمالقة |
| ẓlm «ظ-ل-م» | ظِلال | الأوغاريتية، اسم آخر لهم في اللوح 1.161 |
| رَفَأَ، الرِّفاء | رَفَأَ، الرِّفاء | العربية: أصلح، وألّف بين القوم، والتئام في تحيّة العرس |
تجعل المقالة الكنعانية الجذر ر-ف-א، ومعناه عندها «الضعيف، الشبح، الروح الضعيفة»، وتذكر في العربية «رفا» بمعنى ضعف و«رفاء» بمعنى ضعيف، وتجعل الياء والميم في آخر الاسم العبري لاحقة الجمع. والحروف الثلاثة في مكانها: الراء راء، والفاء تقابل باء الأوغاريتية والعبرية المهموسة، والهمزة تكتبها الأوغاريتية حرفاً خاصّاً بها. ويقول معجم براون ودرايفر وبريغز إنّ أكثر الباحثين يردّون «الرفائيم» أرواحَ الموتى إلى الفعل العبري «رافا»، غرق واسترخى، فهم «الغارقون الذين لا قوّة لهم». وهذا معنى المقالة.
غير أنّ آخر حروف «رافا» في العبرية هاء، وآخر حروف الرفائيم همزة في الأوغاريتية والفينيقية والعبرية معاً. ولهذا يقول رويار إنّ أرجح الأصول ر-ف-أ، الذي معناه في العبرية الشفاء، ويذكر معجم براون ودرايفر وبريغز أنّ مقابله في العربية «رفأ» و«رفا»: رتق وأصلح وسكّن، وفي الحبشية خاط وأصلح. وفي معجم لين: رفأ الثوب ضمّ ما انخرق منه، ورفأ بينهم أصلح، ورفأ الرجل سكّنه وأمّنه من فزعه، ورفّأ المتزوّج قال له «بالرِّفاء والبنين»، والرِّفاء الالتئام والاتّفاق. ومن الجذر نفسه «أرفأ إليه» لجأ إليه واحتمى به، و«المُرْفأ» الموضع الذي ترسو فيه السفن.
وهذه المعاني تقع على ما تفعله الرفائيم في النصوص. فهم يهبون الولد: في قصّة كرتا يبارك إيل الملك بسبعة أبناء وبنات ثم يقول له: «لتكن عالياً بين رفائيم الأرض، في مجمع جماعة دِتان»، وفي اللوح 1.22 يُعرض على الجماعة الابن والحفيد. ويقول رويار إنّ الباحثين متّفقون تقريباً على أنّ الرفائيم كانوا يُرجَون لحفظ نسل الأسرة المالكة، فهم بهذا المعنى «شافون». وتحيّة العرس العربية تجمع الأمرين في لفظ واحد: الالتئام والبنين. ويقول سفر الأمثال إنّ الضالّ عن طريق الفهم «يستريح في جماعة الرفائيم»، والاستراحة واللجوء من معاني «أرفأ».
فالقراءة التي نثبتها تجمع المعنيين على مستويين: الكلمة نفسها «رَفَأَ»، الإصلاح وجمع الشمل والولد، وهي في الألواح؛ والضعف الذي في المقالة هو ما سمعه العبرانيون في الكلمة حين قرّبوها من «رافا»، ويقوله الموتى في إشعياء. ويذكر رويار أنّ بعض الباحثين رأى أنّ الكلمة تحمل المعنيين معاً لالتباسها، وأنّ التلمود والمدراش ردّاها إلى الضعف.
«الظلال»
ويسمّي اللوح 1.161 الذين يُقرَّب لهم في سطره الأوّل ẓlm «ظ-ل-م»، ويقول وايت إنّ أكثر الباحثين يفهمونها «الظلال». والظاء الأوغاريتية ظاء عربية، فالكلمة «ظِلال» حرفاً بحرف. والظلّ في معجم لين ضوء الشمس بلا شعاع، وما لم تقع عليه الشمس. والملك الميت في هذا اللوح نفسه ينزل بعد أسياده إلى التراب وتنزل معه شبش.
وضُبطت جانباً بعد فحص المعجم: «رفا» بمعنى ضعف، لأنّ معجم لين لا يذكره في رفأ ولا في رفو، وأقرب ما فيه «رَفُهَ عيشه» إذا لان واتّسع، و«رَفَه» إذا وجد الراحة بعد التعب.
التحوّلات المستعملة: الباء الأوغاريتية والعبرية فاء عربية؛ الهمزة ثابتة؛ الظاء الأوغاريتية ظاء عربية.
السرديات الأسطورية الرئيسة
شبش ملكة الرفائيم
في آخر دورة بعل نشيد لـشبش: «يا شبش، أنتِ تحكمين الرفائيم، يا شبش، أنتِ تحكمين آلهة العالم السفلي. صحبك الآلهة، والبشر صحبك. كوثر رفيقك، وحسيس صاحبك». فالشمس التي تنزل كلّ ليلة تحت الأرض سيّدة الموتى، ومعها كوثر وحسيس الصانع.
رافئ ملك الدهر في عشتاروت وإذرعي
في اللوح 1.108 دعاء يُسكب معه الخمر: «ليشرب رافئ، ملك الدهر، الإله الجالس في عشتاروت، الإله الذي يحكم في إذرعي»، تُغنّى له الأغاني بالقيثار والناي والدفّ والصنج، «بين رفاق كوثر الطيّبين»، ثم يُطلب أن تكون قوّته وعونه وحكمه وبهاؤه «في وسط أوغاريت، طوال الأيّام والشهور، وسنين إيل الطيّبة». وعشتاروت وإذرعي في التوراة مدينتا عوج ملك باشان، «من بقيّة الرفائيم».
دانئيل رجل رافئ
يُلقَّب دانئيل، أبو أقهت، في قصّته بـmt rpi «مُت رافِئ»، أي رجل رافئ أو رجل الشفاء، وفي اللوح 1.20 هو الذي يجيب حين يبلغ الرفائيم البيادر. ويرى بعض الباحثين أنّ ألواح الرفائيم تتمّة لقصّة أقهت، يُدعى فيها الموتى بعد قتل الابن، ويرى غيرهم أنّها نصوص مستقلّة.
الرفائيم في الهاوية
في التوراة «الموتى لا يحيون، والرفائيم لا يقومون»، و«أتصنع عجباً للموتى؟ أيقوم الرفائيم ليحمدوك؟»، و«الرفائيم يرتعدون تحت المياه وسكّانها». ثم يقول إشعياء بعد ذلك: «تحيا أمواتك»، ويختم الآية بعبارة غامضة يفهمها رويار: الأرض تلفظ الرفائيم. وفي صيدا يلعن الملكان تبنيت وأشمونعزر من يفتح قبريهما: لا يكن له مضجع مع الرفائيم. وفي شاهد قبر من شمال أفريقيا بالبونيقية الحديثة واللاتينية تقابل العبارةُ اللاتينية «إلى الآلهة المانيس» العبارةَ البونيقية «إلى الآلهة الرفائيم».
الرفائيم العمالقة
وفي أسفار التاريخ الرفائيم قوم طوال سكنوا شرق الأردن: يسمّيهم المؤابيون «الإيميم» والعمّونيون «الزمزميم»، وكانوا «شعباً عظيماً كثيراً طويلاً كالعناقيين». وبقي منهم عوج ملك باشان، وسريره من حديد طوله تسع أذرع، وكانت باشان كلّها تُسمّى «أرض الرفائيم». وقرب أورشليم «وادي الرفائيم»، وفي جتّ رجال من «أولاد رافا» حاربوا داود. وتترجم السبعينية اليونانية الرفائيم أحياناً «العمالقة»، وتسمّي وادي الرفائيم في صموئيل الثاني «وادي التيتان».
القراءة الرمزية
تجعل المقالة الكنعانية الرفائيم أرواح الموتى والعمالقة، الأسلاف الأقوياء الذين يعيشون في العالم السفلي، ولهم أحياناً قوّة على عالم الأحياء، ويُذكرون في الاحتفالات الدينية والولائم، فهم صلة بين العالمين.
وتقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير كنعان «أرض اللاعودة» مخازن الحبوب تحت الأرض، الباردة المظلمة التي يُدفن فيها الحبّ إلى الموسم القادم. والرفائيم في ألواحهم يخرجون من تحت الأرض إلى البيادر والبساتين، مواضع الحبّ والثمر، ويأكلون ستّة أيّام.
وينقل رويار عن كاكو أنّ البركة التي يأتي بها الرفائيم ليست خصب الأرض في المقام الأوّل، وإنّما خصب الملك الذي يباركونه بالولد. وعلى هذا يعود الأسلاف إلى المائدة ليكون للملك ابن يقيم له المائدة بعد موته، لأنّ الابن البكر، كما يقول وايت ناقلاً عن شميدت، ضروري لإقامة شعائر جنازة أبيه، ولذلك يطلب كرتا الولد قبل كلّ شيء.
التوازيات عبر الحضارات
ينزل الملك الميت في اللوح 1.161 «بعد أسياده إلى الأرض» وتنزل معه شبش، وفي إشعياء تنزل عظمة ملك بابل إلى الهاوية، فالرفائيم من أخبار النزول إلى العالم السفلي. ويرى رويار أنّ قول إشعياء «الرفائيم لا يقومون» ردّ على اعتقاد يقرن الرفائيم ببعل، الذي يموت في الجفاف ويعود مع المطر، فهو يتّصل بـالإله الذي يموت ويعود. رويار، ص 695–696.
وفي سومر يرى جلجامش في منامه قبل موته أنّه سيُعدّ بين الأنوناكي ويصير حاكم العالم السفلي، يقضي ويحكم، وأنّ شيوخ مدينته سيخرجون لاستقباله، وخبره في جلجامش. وتسمّي السبعينية اليونانية وادي الرفائيم «وادي التيتان»، والتيتان عند هسيود الآلهة المغلوبون المحبوسون في تارتاروس تحت الأرض. وفي الشاهد البونيقي اللاتيني يقابل الرفائيمَ «المانيس»، أرواح الموتى عند الرومان، وهي التي يُخرجها ربّ البيت من بيته في عيد الليموريا، كما في صفحة ريموس.