ملخص
حُورُون معبود كنعاني بيته في أعماق الأرض، يُدعى على الحيّات والسمّ والأرواح المؤذية، ويُدعى أيضاً في اللعنات. تكتب ألواح أُوغارِيت اسمه ḥrn «ح-ر-ن»، ويُذكر في رقيتين للدغة الحيّة وفي لعنتين، ولا يُذكر في أسماء أهل أوغاريت. وخرج اسمه منها إلى بلاد كثيرة: إلى مصر، حيث سُمّي هَوْرُون وجُعل صقراً يقبض على الحيّات وجُعل هو أبا الهول في الجيزة، وإلى أسماء المواضع في فلسطين ومؤاب، مثل بيت حورون وحورونايم، وإلى تمائم الفينيقيين ونقوش البونيقيين في سردينيا، وإلى نقش يوناني في جزيرة ديلوس.
وأتمّ خبره في اللوح 1.100. فيه فرس، أمّ مهر، يسمّيها النصّ ابنة النبع وابنة الحجر وابنة السماء والغمر، لُدغ مهرها، فنادت أمّها شبش: يا شبش يا أمّي، احملي صوتي إلى إيل عند منبع النهرين، عند ملتقى الغمرين: رقية للدغة الحيّة، لسمّ الحيّة التي سلخت جلدها، لينزع منه الراقي السمّ، وليطرده. ثم حمّلتها الطلب نفسه إلى بعل على صفون، وداجان في توتول، وعنات وعشتروت، ويرخ، ورشف، ومِلْكُ في عَشْتاروت، وكوثر وحسيس في كريت، وشحر وشالم في السماء، وغيرهم، كلّ في مدينته، فلم يدفع أحد منهم السمّ. وكان الثاني عشر حورون في حصنه، فاتّجهت إليه بوجهها، لأنّها توشك أن تفقد ولدها. فذهب حورون إلى مدينة الشرق، واقتلع الطَّرْفاء من بين الأشجار، و«شجرة الموت» من بين الشجيرات، فنفض بها السمّ وطرده، فضعف السمّ وسال كما يسيل الماء في المجرى. ثم أُغلق بيت الرقية، فطلب حورون أن يدخل، فقالت الفرس: أعطني الحيّة مهراً، فقال: أعطيك الحيّة مهراً.
وفي اللوح 1.107 رجل اسمه سِيرُغَزُوز لم يُحسن مداراة الحيّات، فلُدغ، ووقع يبكي كالطفل، فنادته شبش من السماء. وتنتهي الرقية بدعاء: «ليجمع إيل وحورون السمّ»، ثم تُذكر الآلهة أزواجاً بعدهما. ويلاحظ روترسفوردن أنّ حورون في رأس القائمة. أمّا في اللعنة فيقول الملك كرتا لابنه الذي طلب عرشه: «ليكسر حورون رأسك يا بنيّ، ولتكسر عشتروت اسم بعل جمجمتك»، وبالعبارة نفسها يلعن بعل يمّاً في اللوح الثاني، في سطور مكسورة يكملها الناشرون بها.
والفكرة التي تدور عليها أخبار حورون أنّه صاحب العمق، فيصل إلى ما ينزل في العمق: السمّ الذي يدخل الجسد، والحيّة التي تسكن الجحر، والأرواح التي تخرج من تحت الأرض. لا يُدعى في الرقية أوّلاً، وإنّما يُدعى بعد أن يعجز أحد عشر غيره، فيكون الوحيد الذي يعمل. والقوّة التي تُخرج السمّ هي نفسها التي يدعوها الأب على رأس ابنه، فحورون يشفي ويلعن.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة الكنعانية حورون من ح-و-ر، وتجعل معناه الكهف والحفرة والأماكن المظلمة. وفي معجم لين «الحَوْر» قعر البئر ونحوه. وقد قارن أولبرايت اسم المعبود بهذه الكلمة العربية نفسها، الحَوْر قعر البئر والمنخفض الواسع، فجعل حورون «العميق، الساكن في العالم السفلي». ويشرح معجم براون ودرايفر وبريغز «بيت حورون» بأنّه موضع الحفرة أو الجوف، من العبرية «حُور»، وهي الكلمة التي تذكرها المقالة نفسها. والألف والنون في آخر الاسم لاحقة، صارت في الكنعانية واواً ونوناً. فحورون «صاحب القعر»، وبيته في الألواح حصن في العمق.
الجذر اللغوي
حورون و«الحَوْر»
| الصيغة | النطق | الشاهد |
|---|---|---|
| ḥrn «ح-ر-ن» | حُورانُ أو حُورُونُ، والحركات غير مكتوبة | ألواح أوغاريت |
| Hauron «هَوْرُون» | هَوْرُون | مصر، منذ أمنحتب الثاني |
| בֵּית חוֹרֹן «بِيت حُورُون» | بيت حورون | العبرية: قريتان شمال غرب أورشليم |
| ḥwrnn «ح-و-ر-ن-ن» | حَوْرُنان | نقش ميشع المؤابي، السطران 31–32 |
| חֹרֹנַיִם «حُورُونَايِم» | حورونايم | موضع في مؤاب، إشعياء 15:5 |
تكتب الأوغاريتية الاسم بثلاثة حروف، ولا تكتب الواو. أمّا الرسم المصري، والرسم المؤابي في نقش ميشع، والضمّة الطويلة في العبرية، فتُظهر واواً بعد الحاء: الاسم في الأصل «حَوْران»، ثم صارت الألف في الكنعانية واواً كما تصير في كثير من ألفاظها. فحروف الأصل ح-و-ر، والألف والنون لاحقة تُصاغ بها الصفات في اللغات السامية. والحاء الأوغاريتية تقابل الحاء العربية، لأنّ الأوغاريتية تكتب الخاء بحرف آخر.
وفي معجم لين من معاني ح-و-ر: «حار يحور» رجع، و«الحَوْر» قعر البئر ونحوه، ومنه قولهم «هو بعيد الحَوْر» أي عاقل بعيد الغور، و«المَحارة» التجويف المستدير. وتقرأ المقالة الكنعانية الاسم أوّلاً من هذا الأصل بمعنى «الكهف، الحفرة، العالم السفلي»، وتذكر العبرية «حُور»، الجحر. ويوافقها شرح معجم براون ودرايفر وبريغز لبيت حورون، «موضع الحفرة أو الجوف»، ولحورونايم، «الحفرتان أو الكهفان». وقارن أولبرايت في سنة 1936 الاسم بالعربية «الحَوْر»، قعر البئر، وقال إنّه ليس بعيداً أن يكون اسم المعبود صفة من هذا النوع، معناها «العميق، الساكن في العالم السفلي».
قراءات أخرى في المقالة
وفي القسم الموسّع من المقالة قراءة ثانية تقدّمها على الأولى: «حار يحار» تحيّر وضلّ الطريق، فحورون «الضائع في العالم السفلي»، «التائه في الأعماق». وهذا الفعل في معجم لين من ح-ي-ر: حار بصره إذا بهره الشيء فصرف عينه عنه، ثم حار إذا تحيّر ولم يهتدِ لسبيله. وحرفه الأوسط ياء، والواو مكتوبة في الرسم المصري والمؤابي، فالقراءة الأولى أوفق للحروف. ومعنى التيه يبقى صورة للعالم السفلي الذي لا يُهتدى فيه، لا تفسيراً للاسم. وتذكر المقالة أيضاً «جوّر» بإبدال الحاء جيماً، و«حرّ» الحريق، والأولى تحتاج إلى إبدال لا تدلّ عليه الرسوم، والثانية تُسقط الواو.
التحوّلات المستعملة: الحاء الأوغاريتية حاء عربية؛ الواو غير مكتوبة في الأوغاريتية ومكتوبة في المصرية والمؤابية؛ الألف في اللاحقة «ـان» واو في الكنعانية.
السرديات الأسطورية الرئيسة
حورون في مصر
عُبد حورون في مصر منذ أيام أمنحتب الثاني. وفي نصوص البرّ الغربي من طيبة سُوّي بالمعبود شِد، وصُوّر صقراً يقبض على الحيّات بمخالبه لأنّه سُوّي بحورس. وفي الدلتا عُبد معبوداً للصحراء يحمي من الأعداء الآتين منها، وفي الجيزة سُوّي بحور إم آخت، أي أبي الهول الكبير. وفي بردية هاريس السحرية رقية على الذئب تقول: «يُبطل حورون أنيابك، وتُقطع قائمتك»، ورقية أخرى: «يا حورون، اطرد الوحوش من الحقل»، ويُسمّى فيها راعياً.
حورون في الساحل وما وراءه
في تميمة فينيقية من أرسلان طاش من القرن السابع قبل الميلاد: «بعهد حورون الذي أمره تامّ، وسراريه السبع، وزوجات السيّد القدّوس الثماني». وفي نقش بونيقي من أنطاس في سردينيا يُذكر مع سِيد، وفي نقش يوناني من ديلوس يُذكر مع هيراكليس معبوداً لأهل يمنيا في فلسطين، وفي آخره: «يُذبح له كلّ شيء إلّا الماعز». وفي رقية أوغاريتية أخرى، اللوح 1.82، يُذكر «مخلوقات حورون»، وهي أرواح مؤذية من العالم السفلي، فهو رأس الأرواح الضارّة، ويُدعى عليها أيضاً.
بيت حورون
في سفر يشوع يطارد يشوع الأموريين «في طريق عقبة بيت حورون»، فلمّا هربوا في منحدر بيت حورون رمى الله عليهم حجارة عظيمة من السماء حتى عزيقة، فمات بالبَرَد أكثر ممّن مات بالسيف، ثم قال يشوع: «يا شمس قفي على جبعون، ويا قمر على وادي أيّلون». ويقول سفر أخبار الأيّام إنّ امرأة اسمها شَأَرة بنت بيت حورون السفلى والعليا.
القراءة الرمزية
تجعل المقالة الكنعانية حورون إله الكهوف والأماكن المظلمة، المرتبط بالعالم السفلي والموت، الذي يحمي المسافرين من أخطار الكهوف، ويمثّل الأماكن الغامضة والخفية، ويرتبط بالسحر والقوى الخفية.
والحيّة تسكن الجحر وتخرج منه، فالذي يملك الجحور يملك ما يخرج منها. ويطرد حورون السمّ بشجرتين يقتلعهما بجذورهما، ثم يسيل السمّ كالماء في المجرى، أي ينزل في الأرض. ويرى وايت أنّ الحيّة التي تأخذها الفرس مهراً هي الحيّة نفسها بعد أن صارت بلا أذى، وأنّ حفظ صورة الخطر نفسه تميمة تدفعه أمر معقول، ويذكر في هذا حيّة النحاس التي صنعها موسى في سفر العدد، فكان من لدغته حيّة ينظر إليها فيشفى.
التوازيات عبر الحضارات
سُوّي حورون في مصر بـحورس، فصُوّر صقراً، وبأبي الهول في الجيزة. والصقر الذي يقبض على الحيّات صورة تجمع الطائر الذي يعلو والحيّة التي تسكن الأرض.
وتقارن المقالة الكنعانية حورون بـنرجال البابلي، صاحب العالم السفلي، وبهاديس الإغريقي، وبـموت الكنعاني.
وينبّه وايت، عن ويلفرد واطسون، إلى أنّ ترتيب الرقية، حيث تُدعى الآلهة واحداً بعد واحد فلا يجيب إلّا الأخير، يشبه ما في قصّة كرتا، حين يسأل إيل الآلهة سبع مرّات من منهم يزيل المرض فلا يجيب أحد. وتنتهي رقية الفرس بلغة العرس: مهر وهديّة، ويرى وايت أنّ مولد المهر كان على هذا قبل العرس، كما كان لقاء يرخ ونكّل قبل عرسهما، فهي من أخبار الزواج المقدّس. وايت، ص 378 و387، الحاشية 52.