ملخص
يَرِخ هو القمر في ألواح أُوغارِيت، وتسمّيه القصيدة «نيّر السماوات». وأتمّ ما بقي من أخباره قصيدة قصيرة، اللوح 1.24، تحكي عرسه على نِكَّل، وهو الزواج الوحيد الذي تصرّح به ألواح أوغاريت بين معبودين.
تبدأ القصيدة: «أغنّي نكّل وإب، ابنة حَرْحَب ملك الأعراس». عند مغيب الشمس يتّقد يرخ شوقاً، فيعانق التي ولدتها الكوثرات، ربّات الحمل والولادة، وتقول القصيدة إنّ العروس تلد ابناً. ثم يرسل «يرخ نيّر السماوات» إلى حرحب: «أعطني نكّل! يدفع يرخ مهر إب، فلتدخل بيته. وأعطي أباها ألف شاقل من الفضّة وعشرة آلاف من الذهب، وأرسل إليه حجارة اللازورد، وأجعل براريها كروماً، وبرّية حبّها بساتين». فيجيبه حرحب: «يا ألطف الآلهة، صاهر بعلاً، وتزوّج بِدْرَي ابنته، أقدّمك إلى أبيها بعل، ويتشفّع لك عثتر». فيقول يرخ: «عرسي مع نكّل!». ثم يدفع المهر: ينصب أبوها عمود الميزان، وتنصب أمّها كفّتيه، ويرتّب إخوتها سبائك الفضّة، وتصفّ أخواتها حجارة الوزن. وتنتهي القصّة بدعاء: «نكّل وإب أغنّي. ليشرق يرخ، وليشرق يرخ عليكم»، ثم بنشيد للكوثرات. ويرى وايت أنّ القصيدة كانت تُنشد في الأعراس.
وفي خبر آخر يُضحك منه، اللوح 1.114، يقيم إيل وليمة في بيته، فيتقوّس يرخ كالكلب ويلتقط الفتات تحت الموائد. فمن عرفه من الآلهة رمى إليه قطعة لحم، ومن لم يعرفه ضربه بالعصا تحت المائدة، ورمت إليه عثترت فخذاً وعنات كتفاً، فصاح بواب بيت إيل: لماذا ترميان الفخذ للكلب؟
والفكرة التي تدور عليها أخبار يرخ أنّ القمر يحسب الزمن ويعقد العقود. هو الذي يطلع في موعده وينقص ويتمّ، فبه تُعدّ الشهور، وبالشهور تُعدّ مدّة الحمل، ولذلك تنشد القصيدة ربّات الولادة مع عرسه. وعرسه نفسه عقد محسوب: مهر بالشاقل، وميزان ينصبه أهل العروس، وأخ يحصي السبائك وأخت تصفّ حجارة الوزن. ويدعو المنشد في آخرها أن يشرق يرخ على العروسين، فنور القمر بركة على البيت الجديد. أمّا في وليمة إيل فيظهر القمر صغيراً تحت الموائد، والشمس شبش في أوغاريت أعلى منه مكاناً، على خلاف الغالب في أخبار القمر القديمة في الشام.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: كتبته أوغاريت yrḫ «ي-ر-خ»، والكلمة نفسها فيها اسم للشهر. والياء في أوّله واو قديمة، كما تبدأ أكثر الأفعال التي أوّلها واو في العربية بالياء في الكنعانية. فإذا رُدّت الياء واواً صارت الحروف «و-ر-خ»، وهي في العربية «وَرَّخَ الكتابَ»، أي كتب فيه وقته، ويقال «أَرَّخَه» بالهمزة، وهي الأكثر، فالواو والهمزة فيها تتعاقبان كما يذكر معجم لين. فيرخ هو القمر الذي يُؤرَّخ به، أي يُعرف به الوقت، وهذه هي القراءة الثانية في المقالة: «يَرِخ = المُؤَرِّخ = القمر الذي يحدّد الشهور والتواريخ».
الجذر اللغوي
يرخ و«التأريخ»
| اللغة | الصيغة | المعنى |
|---|---|---|
| الأوغاريتية | yrḫ «ي-ر-خ» | القمر، ومعبود القمر، والشهر |
| الأكدية | warḫu «وَرْخُو»، arḫu «أَرْخُو» | الشهر، وأوّل يوم فيه |
| العبرية | יָרֵחַ yārēaḥ «يَارِيَح»، יֶרַח yeraḥ «يِرَح» | القمر، والشهر |
| الحبشية | wrḫ «و-ر-خ» | القمر، والشهر |
| السبئية | wrḫ «و-ر-خ» | الشهر |
| العربية | وَرَّخَ، أَرَّخَ، التأريخ | كتب الوقت على الكتاب؛ عدّ الزمن من حدّ معلوم |
الحرف الذي يفصل في هذه المقابلة هو الخاء. تكتب الأوغاريتية خاءً في آخر الاسم، وكذلك الأكدية والحبشية والسبئية والعربية، أمّا العبرية فتكتب حاءً، لأنّها جمعت الحاء والخاء في حرف واحد هو ח. ويذكر معجم لين أنّ بعضهم جعل «التأريخ» كلمة معرّبة أخذها المسلمون من أهل الكتاب، أي من العبرية يَرِح، وأنّ آخرين جعلوها عربية خالصة. والخاء تحكم بين القولين: لو أُخذت الكلمة من العبرية لجاءت بالحاء، وهي في العربية بالخاء كما في الأوغاريتية والأكدية والحبشية، فهي من الأسرة القديمة نفسها. والواو أصل في أوّل المادّة، تحفظها العربية في «ورّخ» والحبشية والسبئية والأكدية warḫu «وَرْخُو»، وتصير ياءً في الأوغاريتية والعبرية، وهمزةً في «أرّخ».
وفي معجم لين أنّ تأريخ الهجرة عند المسلمين يبدأ السنة من أوّل ظهور هلال المحرّم، ويجعل اليوم يبدأ من غروب الشمس. فالتأريخ العربي في أوّل أمره حساب بالقمر، وهذا ما تقوله المقالة حين تقرن الاسم بالآية «يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج». وفي القصيدة الأوغاريتية يبدأ الخبر نفسه «عند مغيب الشمس»، حين يطلع القمر.
قراءات أخرى في المقالة
تبدأ المقالة الكنعانية بقراءة «ي-ر-خ» نفسها، وتقول إنّ «يرخ» في العربية القمر. والذي في المعاجم العربية «ورخ» و«أرخ» للتأريخ، أمّا اسم القمر فيها «القمر» و«الهلال». فالقراءتان في المقالة قراءة واحدة: الأولى تحفظ صورة الاسم الكنعانية، والثانية تردّه إلى صورته العربية. وتقرأ المقالة البابلية يرخ مع نانّا وسين، وتقرؤه «الشهر القمري». وفي اللوح 1.24 تُسمّى الكوثرات «بنات هلل»، ويقرأ بعض الباحثين هلل «الهلال» العربي، ويقرؤه آخرون اسماً لإنليل؛ وللهلال صفحته في ه-ل-ل. وايت، ص 337.
السرديات الأسطورية الرئيسة
مدينة الأمير يرخ في حكاية أقهت
في «حكاية أقهت» تدعو عنات الفتى إلى الصيد عند «أبيلم، مدينة الأمير يرخ»، ثم توصي قاتله يطفان أن ينتظر فيها «حتى يتجدّد القمر». فلمّا قُتل أقهت طاف أبوه دانئيل بالمواضع القريبة من مقتله يلعنها، فجاء إلى «أبيلم، مدينة الأمير يرخ»، وقال: الويل لك، فقد ضُرب أقهت بقربك، ليجعل بعل آبارك جافّة إلى الأبد.
يرخ في العبادة
تذكر قوائم الآلهة الأوغاريتية يرخ، وتضع النسخة الأكدية من القائمة اسم سين في موضعه، وتذكره قوائم القرابين بين من تُقدَّم لهم الذبائح. ويُعطى شاقل ذهب لشبش ويرخ معاً حين يدخل الإلهان «غثرو» الحجرة الملكية. وفي رقية الحيّة، اللوح 1.100، تبعث الفرس صوتها إلى «يرخ في لَرُغَت» بين الآلهة الذين تسألهم، فلا يجيبها. وفي أسماء الناس «عبد يرخ»، وفي ماري قبل ذلك «عبد إرخ» و«إرخ أعطى».
بقيّة الوليمة
يشرب إيل في الوليمة حتى يسكر، ويمضي إلى بيته يتعثّر يسنده تُكَمُن وشَنِم، فيلقاه زاحف ذو قرنين وذيل، فيسقط في قذره «كمن يموت»، «كالنازلين إلى الأرض». فتخرج عنات وعثترت إلى الصيد وتعودان بلحم، فيُداوى إيل ويفيق، ويختم اللوح بوصفة: شعر كلب وعقدة كرمة وعصيرها مع زيت زيتون بِكر توضع على جبينه. ويرى وايت أنّ شعر الكلب في الدواء يعيد السامع إلى يرخ الذي تقوّس كالكلب في أوّل الخبر.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الكنعانية يرخ إلهاً للقمر والليل والوقت، يحكم الدورات الزمنية والأشهر ويرتبط بقياس الوقت والتقاويم، وتجعل القمر «المؤرّخ الكوني» الذي ينظّم الشهور والأعياد. والقصيدة الأوغاريتية تشهد لهذا من جهة الناس: الشهور التي يعدّها القمر هي التي تُعدّ بها أيّام الحمل، ولذلك تُنشد ربّات الولادة في عرسه، وفي اللوح 1.23، على قراءة وايت، يحسب الأب بعد العرس «خمسة للنموّ، وعشرة للتمام»، أي عشرة شهور قمرية حتى الولادة، وتقرأ ترجمات أخرى السطر قراءة مختلفة.
وفي القصيدة صورة دقيقة لعرس في مجتمع يحسب الأشياء بالوزن. يعرض العريس الفضّة والذهب واللازورد، ويعد بتحويل البرّية إلى كروم وبساتين، ويقترح أبو العروس زوجة أخرى من بيت أعلى، بيت بعل، فيُصرّ العريس على عروسه، ثم تشترك الأسرة كلّها في الوزن. فالزواج هنا اتّفاق بين بيتين تُحفظ فيه الحقوق بالميزان، والقمر الذي يحسب الشهور هو الذي يدفع المهر.
التوازيات عبر الحضارات
نكّل هي نِنْگَال السومرية، «السيّدة العظيمة»، زوجة نانّا قمر أور، وسين هو اسم القمر بالأكدية، وتضعه النسخة الأكدية من قائمة آلهة أوغاريت في موضع يرخ. فعرس يرخ ونكّل عرس قمر الشام على زوجة قمر الرافدين، ويرى وايت في القصيدة أثراً من تقاليد حورية. ويقابل عرسَ يرخ في الهند نشيدُ العرس في الريغفيدا، 10.85، الذي يتقدّم فيه سوما خاطباً لسوريا، ويقول النشيد إنّ القمر هو الذي يقدّر السنين، ثم يصير النشيد عرساً للناس: قمر يتزوّج، وعرسه يُنشد في عرس كلّ عروسين. الريغفيدا 10.85.5 و19. وهذا أوضح زواج تصرّح به ألواح أوغاريت بين معبودين، فمكانه في الزواج المقدّس. وفي اليابان قمر آخر هو تسوكويومي، ولا عرس في خبره.