كور

ملخص

الكُور كلمة سومرية واسم موضع معاً. علامتها في الكتابة المسمارية صورة جبال، ومعناها في المعجم السومري الجبال، والبلاد الأجنبية، والبلاد عامّة، والشرق وريح الشرق، والعالم السفلي. وهي في القصائد الأرض التي تحت الأرض، دار الموتى التي تحكمها إريشكيغال، وهي أيضاً الجبال التي وراء سهل سومر.

يبدأ خبرها في مطلع قصيدة «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي»: لمّا فُصلت السماء عن الأرض، أخذ آن السماء، وأخذ إنليل الأرض، وأُعطيت الكور لإريشكيغال هديّة. ثم أبحر إنكي إلى الكور، فهبّت عليه عاصفة من البَرَد، صغاره كالمطارق الخفيفة وكباره كحجارة المقاليع، وارتجّت عارضة قاربه الصغير كأنّ السلاحف تنطحها، وقامت الأمواج عند مقدّمه تريد أن تأكله كالذئاب، وهجمت عليه عند مؤخّره كالأسد.

وفي «نزول إنانا» تتّجه إنانا «من السماء العظيمة إلى الأسفل العظيم»، فتترك السماء وتترك الأرض وتنزل إلى الكور. ويسألها البوّاب نِيتِي عند باب قصر غَنْزِر: لماذا جئتِ إلى «أرض اللاعودة»، والكلمة في السومرية kur nu-gi4 «كُور نُو-غِي»، أي الكور التي لا يُرجع منها. ولا تصعد إنانا من الكور إلا ببديل. وفي «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» تسقط كرة جلجامش ومضربه إلى العالم السفلي، فينزل إنكيدو ليأتي بهما، فتمسكه الكور: «لم يأخذه نمتار، ولم يأخذه أساغ، ولكنّ الكور أخذته». فيأمر إنكي أوتو أن يفتح في الكور ثقباً، فيُصعد منه إنكيدو.

وفي قصيدة «لوغال-إي» الكور جبال: تلد الأرض الخضراء من السماء أساغ، «القاتل الآتي من الكور»، فتصير حجارة الجبال جنده تغير على المدن. فيقتله نينورتا، ثم «يصنع كومة من حجارة الكور»، فيحبس بها الماء الذي كان ينزل من الجبال إلى الأرض، ويجمع البحيرات المتفرّقة ويقودها إلى دجلة، ثم يسمّي الكومة جبلاً ويجعل أمّه سيّدته، فيصير اسمها نينهورساج. لوغال-إي، 24–47 و347–410.

والفكرة التي تدور عليها أخبار الكور أنّها كلّ ما يقع خارج السهل المزروع: الجبال التي يأتي منها الحجر والماء والعدو، والأرض التي ينزل إليها الموتى. فالكلمة الواحدة تجمع الأعلى والأسفل، لأنّ الاثنين خارج المدينة وحقولها. ومن يذهب إلى الكور لا يرجع إلا بثمن أو بعون: إنانا ببديل يُسلَّم مكانها، وإنكيدو بثقب يفتحه أوتو، وماء الجبال بسدّ يبنيه نينورتا من حجارتها.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة السومرية kur «كُور» من «قُور» أو «قَعْر». والقُور في معجم لين جمع قارة، وهي الجبل الصغير المنفرد عن الجبال، أو الأرض الكثيرة الحجارة السود، والقَعْر أسفل البئر، يقال قَعَر البئرَ إذا نزل فيها حتى بلغ قعرها. وليس في السومرية قاف، فتُكتب القاف كافاً، ولا تكتب المسمارية العين، فتسقط من «قعر». فالكلمة السومرية بمعنييها الكبيرين تقابل الكلمتين اللتين جمعتهما المقالة: «قُور» حرفاً بحرف للجبال، و«قَعْر» للأسفل الذي تنزل إليه إنانا وإنكيدو.

الجذر اللغوي

الكور و«القُور» و«القَعْر»

الصيغة النطق المعنى
kur «كُور» كُور الجبال، البلاد الأجنبية، البلاد، الشرق، ريح الشرق، العالم السفلي
ku-ur «كُو-أُور»، ku-ra «كُو-رَا» كُور كتابات مقطعية للكلمة نفسها في المعجم السومري
kur-kur «كُور-كُور» كُور كُور البلاد كلّها، بتكرار الكلمة للجمع
kur nu-gi4 «كُور نُو-غِي» كُور نُوغِي «الكور التي لا يُرجع منها»، في «نزول إنانا»
kurnugi «كُورْنُوغِي» كُورْنُوغِي الكلمة نفسها مستعارة في الأكدية، ومعها شرحها qaqqar lā târi «قَقَّر لا تاري»، «أرض اللاعودة»
é-kur «إِي-كُور» إيكور «بيت الجبل»، معبد إنليل في نيبور

تجعل المقالة السومرية في جدول المقابلات الصوتية الكاف السومرية مقابلة للكاف والقاف والخاء العربية، وتضرب لها مثلاً «كور = قعر». وعلى هذه المقابلة تقرأ «قُور» الكلمة كلّها: القاف كافاً، والضمّة الطويلة واواً، والراء راءً، والكتابة المقطعية ku-ur «كُو-أُور» في المعجم السومري تُظهر الضمّة الطويلة. أمّا «قَعْر» فتحتاج إلى سقوط العين، والعين لا تُكتب في المسمارية. وفي معجم لين: القارة الجبل الصغير المنفرد، أو أصغر الجبال، أو الصخرة العظيمة، أو الأرض ذات الحجارة السود، وجمعها قار وقارات وقُور؛ وقَعُرت البئر صار لها قعر بعيد، وقَعَرها نزل فيها حتى بلغ قعرها، وقَعَر الشجرة اقتلعها من أصلها.

قراءات أخرى

وتقرأ المقالة الكور أيضاً من «كُور» الحدّاد، فالعالم السفلي عندها «القعر المحترق». والكُور في معجم لين موقد الحدّاد المبني من الطين، وفي العبرية kûr «كُور» البوتقة أو أتون صهر المعادن. والحروف هنا كلّها في مكانها، غير أنّ القصائد السومرية والأكدية لا تصف دار الموتى بالنار، وتصفها بالظلمة والتراب: «طعامهم التراب، وخبزهم الطين، ولا يرون نوراً». ونقرأ على المنهج المعنى الثالث للكلمة، البلاد، من «الكُورة»، وهي في معجم لين الإقليم والناحية من البلاد، والمدينة أيضاً، فيكون لكلّ معنى من معاني الكلمة السومرية الثلاثة الكبيرة كلمة عربية بالقاف أو الكاف والواو والراء.

السياق التاريخي

ترد كلمة الكور في الألواح السومرية أكثر من أربعة آلاف مرّة، من عصر فجر السلالات إلى العصر الهلنستي. ويقول صموئيل نوح كرامر إنّ علامتها صورة جبل، وإنّ معنى «البلاد الأجنبية» تفرّع من معنى الجبل لأنّ البلاد الجبلية المحيطة بسومر كانت مصدر خطر دائم على أهلها، ثم صارت الكلمة تعني البلاد عامّة، حتى سُمّيت سومر نفسها «البلاد العظيمة». ثم يقول إنّ الكور تعني في قصيدتي «نزول إنانا» و«جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» العالم السفلي على الدوام، وإنّها تقارب في ذلك الكلمة السومرية «الأرض العظيمة» التي تحت.

الأسماء المتّصلة بالكور

الاسم الصلة بالكور أين تظهر؟
إريشكيغال أُعطيت الكور هديّة، وهي ملكة دار الموتى «جلجامش وإنكيدو» 1–26؛ «نزول إنانا»
إنكي يبحر إلى الكور، ويأمر بفتح ثقب فيها لإنكيدو «جلجامش وإنكيدو» 1–26 و238–242
إنانا تنزل إلى الكور ولا تصعد إلا ببديل؛ وتهدم جبل إيبيه «نزول إنانا»؛ «إنانا وإيبيه»
إنكيدو تمسكه الكور حين ينزل إليها «جلجامش وإنكيدو» 221–242
نينورتا يقتل أساغ الآتي من الكور، ويبني من حجارتها سدّاً «لوغال-إي» 24–47 و347–359
أنزود يسدّ مدخل الجبال كأنّه باب عظيم «لوغالبندا وطائر أنزود» 101–102
لوغالبندا يُترك مريضاً في كهف الجبل، ويعبر الجبال وحده قصيدتا لوغالبندا

السرديات الأسطورية الرئيسة

الكور تنّيناً في قراءة كرامر

قرأ كرامر سنة 1944 الكور في بعض القصائد كائناً عظيماً، ربّما حيّة كبيرة تسكن أسفل «الأرض العظيمة» فوق الماء الأوّل، وقارنه بتيامات البابلية. فجعل مطلع «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» خبر معركة: خُطفت إريشكيغال إلى العالم السفلي، ربّما خطفتها الكور نفسها، فأبحر إنكي ليقاتلها، فرمته بالحجارة الصغيرة والكبيرة وهاجمت قاربه بالماء. ورأى المعركة نفسها في قتال نينورتا وفي قتال إنانا. أمّا ترجمة مدوّنة الأدب السومري اليوم فتجعل ما هبّ على إنكي عاصفة من البَرَد وأمواجاً، ولا تسمّي من رماه، وتسمّي عدوّ نينورتا في «لوغال-إي» أساغ.

إنانا وجبل إيبيه

وفي قصيدة «إنانا وإيبيه» تمشي إنانا في السماء والأرض، وفي عيلام وسُوبِير وجبال لولوبي، فإذا اقتربت من سلسلة جبال إيبيه لم يعظّمها الجبل، ولم يضع أنفه في التراب. فتطلب من آن أن تهدمه، فيقول لها إنّ الجبل مهيب، تتدلّى الثمار في بساتينه وترعى الثيران البرّية في عشبه، فتغضب وتخرج بالعاصفة والطوفان، وتمسك عنق إيبيه كما يُقتلع الحلفاء، وتغرز خنجرها في جوفه، فتتساقط صخوره، وتخرج من شقوقه الحيّات العظيمة، وتلعن غاباته وتحرق سفوحه، ثم تقول له: لأنّك علوت ولم تضع أنفك في التراب قتلتك وأنزلتك. وتنتهي القصيدة بقول الكاتب: «لِتُمدح نيسابا».

باب الجبال

وفي قصيدة لوغالبندا يقول أنزود: «أتى بي أبي إنليل إلى هنا، وجعلني أسدّ مدخل الكور كأنّي باب عظيم»، والكلمة في السومرية kur-ra «كُور-رَا». فللجبال باب وحارس، كما للعالم السفلي باب وبوّاب.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير سومر العالم السفلي قبراً وأرضاً، و«لا عودة من العالم السفلي» عندها حقيقة بسيطة هي أنّ الموت نهائي. وتقرأ نصف السنة الذي يقضيه دموزي في العالم السفلي أشهر الجفاف الستّة في العراق القديم، من مايو إلى أكتوبر، وتقرأ نزول إنانا أزمة تفقد فيها المدينة مؤسّساتها واحدة بعد أخرى، ولا تخرج منها إلا بخسارة.

ومن معاني الكور في المعجم السومري الشرق وريح الشرق، والجبال التي يراها أهل سومر هي جبال الشرق. وحين يسأل البوّاب إنانا من هي تقول: «أنا إنانا الذاهبة إلى حيث تشرق الشمس». فالأسفل الذي ينزل إليه الموتى والجبال التي تطلع منها الشمس في جهة واحدة، كما أنّ دلمون التي أُسكن فيها الناجي من الطوفان «حيث تشرق الشمس». والجبال في «لوغال-إي» مصدر الحجر والماء معاً: منها تنزل السيول، ومن حجارتها يُبنى السدّ الذي يقود الماء إلى دجلة.

التوازيات عبر الحضارات

تقابل المقالة السومرية الكور بـتارتاروس وبـهاديس عند الإغريق. وتارتاروس عند هسيود أبعد ما تحت الأرض، يُحبس فيه الآلهة المغلوبون، وهو أقرب إلى معنى «القعر»؛ وهاديس ملك الموتى ودارهم، وهو أقرب إلى الكور التي أُعطيت لإريشكيغال.

وفي أوغاريت يأمر بعل رسوليه أن يتّجها إلى الجبلين اللذين عند حدّ الأرض، وأن يرفعا الجبل بأيديهما والتلّ بأكفّهما، وينزلا إلى دار الموتى في الأرض، إلى مدينة موت. فالطريق إلى الموتى في الشام أيضاً يمرّ بالجبال وتحتها.

ونزول إنانا وإنكيدو إلى الكور أقدم شاهدين على النزول إلى العالم السفلي. ومطلع «جلجامش وإنكيدو» الذي تُعطى فيه الكور لإريشكيغال بعد أن «فُصلت السماء عن الأرض» من شواهد فصل السماء عن الأرض. وقتال نينورتا لأساغ الآتي من الجبال، وقتال إنانا لجبل إيبيه، وقراءة كرامر للكور تنّيناً، كلّها من أخبار صراع الإله مع قوى الفوضى. والجبل الذي تُجعل نينهورساج سيّدته، والجبل الذي يحرس أنزود مدخله، من صور الجبل المقدّس.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي، ونزول إنانا، وإنانا وإيبيه، ولوغال-إي، ولوغالبندا وطائر أنزود ونصّها السومري، مدوّنة الأدب السومري.

  2. نزول عشتار إلى العالم السفلي، 1–125، مع النصّ الأكدي وترجمته.

  3. المعجم السومري، كور.

  4. صموئيل نوح كرامر، «الميثولوجيا السومرية»، 1944، الفصل الثالث، ص 76–80.

  5. سميث وبيتارد، «دورة بعل الأوغاريتية»، المجلّد الثاني.

  6. معجم لين، قور وقعر وكور؛ براون ودرايفر وبريغز، «كُور».