ملخص
جِب هو الأرض في أساطير المصريين، وأبو الآلهة الأربعة الذين تدور عليهم قصة أوزيريس. في نسب عين شمس خرج من شو الهواء وتِفْنُوت الرطوبة ولدان، جب ونوت السماء، فكانا أخوين وزوجين. ثم وقف شو بينهما فرفع نوت إلى أعلى، وبقي جب مستلقياً تحتها، فصارت بين الأرض والسماء مسافة يعيش فيها الناس. وهكذا ترسمه بردية غْرِينْفِيلْد، نحو 950–930 ق.م: نوت مقوّسة في الأعلى، وشو واقف، وجب ممدود على الأرض. وولدت نوت من جب أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس. بردية غرينفيلد، مدخل جب.
وكان أوزيريس أكبر أبنائه، «محبوب أبيه جب» كما تقول الترنيمة الكبرى لأوزيريس، فورث عنه ملك مصر. فلمّا قتله ست صار السؤال: لمن تكون الأرض بعده؟ وهنا يعود جب إلى القصة قاضياً، لأنّ الأرض أرضه. تقول الترنيمة إنّ إيزيس ربّت حورس في الخفاء، ثم أدخلته «قاعة جب الواسعة» حين قوي ذراعه، فجلس المجلس فيها، وخرج حورس متوّجاً «بأمر جب». ويروي حجر شَبَاكَا القضاء نفسه بتفصيل آخر: قسم جب البلاد أوّلاً بين حورس وست، ثم أعطاها كلّها لحورس لأنّه ابن ابنه البكر.
والفكرة التي تدور عليها قصة جب أنّ الأرض أبٌ يُورَث. هي التي تحمل الناس تحت السماء، وهي التي تتلقّى الميت في القبر، ولذلك تدعوه نصوص الأهرام سيد الأرض وتطلب منه أن يحمي الملك الميت. وهي أيضاً الملك الذي يُقسم ويُورث، ولذلك يكون صاحبها هو الذي يحكم بين الإخوة ويعيّن الوارث.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتب المصرية الاسم بالصوامت وحدها، gb «ج-ب»، وتكتبه أحياناً gbb «ج-ب-ب» بباءين، ولا لاحقة فيه تُنزع، والجيم المصرية تُنطق كجيم أهل القاهرة. وهذا هو الجذر العربي ج-ب-ب نفسه: «الجَبوب» في لسان العرب وجه الأرض، والأرض عامة، والتراب؛ و«الجَبوبة» المدرة الغليظة تُقلع من وجه الأرض؛ ومن الجذر نفسه «الجُبّ»، البئر المحفورة في الأرض. فجب على هذه القراءة هو الجَبوب، الأرض نفسها بترابها، وهو بالضبط ما تجعله القصة: الأرض الممدودة تحت السماء، وصاحب الأرض الذي يقضي لمن تكون.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تثبته |
|---|---|---|
| Gbb «ج-ب-ب»، 𓅬𓃀 | «جِب» اصطلاحاً | اسم المعبود في معجم اللغة المصرية؛ الحركات لا تُكتب. المعجم المصري |
| gbb «ج-ب-ب» | غير محفوظ الحركات | لفظ مصري معناه الأرض أو التربة، فاسم المعبود في لغته نفسها اسمٌ للأرض. لفظ الأرض |
| Geb «جِب» | جِب | الضبط الحديث الشائع. |
يقترح المقال المصري في هذا المشروع الجذر ج-ب-ب أوّلاً بمعنى الإحاطة والتجمّع، و«جَبّ» بمعنى الانخفاض لأنّ الأرض تحت السماء، ثم يرجّح في جدوله الموسّع «الجُبّ» بمعنى الحفرة والأرض. والمعجم يجمع هذه المعاني في جذر واحد: الجَبوب الأرض والتراب، والجَبوبة المدرة، والجُبّ البئر. وأقربها إلى صورة جب الجَبوب، لأنّه الأرض كلّها لا حفرة فيها. ويوافق ذلك أنّ المصرية نفسها تستعمل gbb «ج-ب-ب» اسماً للأرض.
والصوت مستقيم: الجيم العربية تقابل الجيم المصرية الشديدة، وهي التي ما زال أهل القاهرة ينطقونها، والباء باء، والتضعيف في gbb «ج-ب-ب» هو تضعيف الجذر العربي نفسه. وتعرض ورقة دينا العسيلي هذا الاتجاه وتستشهد بنصوص التوابيت، ومنها «جب، أمير الآلهة، قد قضى»، ولا تقدّم صيغة وسيطة مؤرّخة بين اللفظين.
ويذكر المقال قراءتين أخريين: «جبل» للأرض المرتفعة، وفيها لام لا مقابل لها في الاسم؛ و«كَبّ» أي ألقى على وجهه، وهي تصف هيئة جب مستلقياً في الصور، وتقتضي مقابلة الجيم المصرية بالكاف. ومن الكاف أيضاً «الكُباب» للتراب والثرى.
السياق التاريخي
تجعل نصوص الأهرام جب حاضراً في مصير الملك الميت. وهذه أقوال جنائزية نُقشت في الأهرام الملكية في أواخر الدولة القديمة، في الألف الثالث قبل الميلاد. تناديه التعويذة 592 سيداً للأرض، وتطلب أن يحمي الميت ويعيد إليه الحياة.
وبعد قرون رسمت بردية نِسِيتَانِبِت إِيشِرُو، وهي بردية غرينفيلد، مشهد الفصل في كتاب جنائزي لامرأة بعينها. تركع صاحبة البردية إلى جانب المشهد، فتدخل صورة خلق العالم في تجهيزها للموت ورجائها في الحياة المتجدّدة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
حجر شباكا مؤرّخ بنحو 710 ق.م، ويقول نقشه إنّه نُسخ عن كتاب قديم أكله الدود؛ فالحجر يؤرّخ النسخة الباقية لا زمن تأليف النص. وفيه يعطي جب الصعيد لست ومصر السفلى لحورس أوّلاً، ثم يرجع فيعطي حورس البلاد كلّها. أمّا قصة حورس في بردية تْشِسْتَر بِيتِي فتحفظ نزاعاً أطول، يتولّى فيه مجلس الآلهة القضاء على مراحل.
القراءة الرمزية
تقارن المقالة المصرية ظهور جب تحت السماء بانكشاف سطح التربة حين ينحسر ماء النيل ويتهيّأ الطين للحرث والبذر، فالهواء الذي يرفع السماء هو الذي يُظهر الأفق بين الأرض والسماء. وهذا تفسير زراعي لمشهد الفصل، بينما تعرض نصوص الأهرام وحجر شباكا علاقات أخرى بالأرض: دفن الميت، وملكية البلاد وميراثها.
وتجمع شواهد جب ثلاثة أفعال بشرية حول الأرض: ينقش أهل الملك دعاءً ليحمي ميتهم، وتضع صاحبة البردية نفسها قرب مشهد الفصل، ويجعل نص الملك البلاد ميراثاً يقسمه الحاكم. فالأرض في النصوص موضع للزرع، ومكان للموتى، وملك تنتقل به السلطة.
التوازيات عبر الحضارات
تجعل غَايَا الأرض أنثى تلد السماء ثم تنجب منه، بينما جب أرض مذكّرة ونوت سماء مؤنّثة، وهما أخوان في نسب التاسوع. تتكلّم القصتان بلغة الأسرة، لكن اختلاف الجنس وترتيب القرابة يمنع جمعهما في حكاية واحدة.