ملخص
نِنْغِيشْزِيدا معبود سومري من آلهة ما تحت الأرض والنبات. موطنه بلدة غِيشْبانْدا قرب أور، وأبوه نِنازُو وأمّه نِنْغِيريدا، وكان المعبود الشخصي لغُودِيا حاكم لَكَش. ترسمه الأختام مع الحيّات، وتخرج من كتفيه رؤوس التنّين المُشْحُشُّو، وتسمّيه ترنيمته «الذي يجمع الحيّات العظيمة والتنانين».
وأتمّ قصّة عنه قصيدة «رحلة نينغيشزيدا إلى العالم السفلي». تبدأ بنداء: قوموا اركبوا، نحن مبحرون. ويُحمل الشابّ في زورق يُساق به بعيداً، فيمدّ الناس أيديهم إليه، وتبكي أخته الصغرى في قمرة الزورق، وتنزع الكبرى غطاء القمرة وتقول: دعني أبحر معك يا أخي. وفي الزورق شيطان يقول له: انظر إلى أختك. فيجيبها: معي يبحر الشيطان، ومعي يبحر الذي شدّ يديّ، فلماذا تبحرين؟ ثم يصف لها الأرض التي يُساق إليها: نهر العالم السفلي لا ماء فيه يُشرب، وحقوله لا حبّ فيها يُطحن، وغنمه لا صوف لها يُنسج. ويقول إنّ أمّه لو حفرت كما تُحفر القناة لما شرب الماء الذي كان له، ولن يُصبّ له ماء الربيع كما يُصبّ للطرفاء، ولن يجلس في ظلّه، ولن يُظهر التمر الذي كان سيحمله كالنخلة حسنه. فهو حقل داسه شيطانه، وفي يديه الأغلال، وفي عنقه الخشبة. وتعرض أخته أَما-شِيلاما خرز اللازورد من حقويها فدية، وتقول: لكلّ شيء حدّ. فيأمر الشيطان ألّا يُنزع وتد الرسوّ حتى تركب، فإذا ركبت ارتفع صراخ إلى السماء والأرض. وفي آخر القصيدة يُذكر «منصب حامل العرش في العالم السفلي»، ويُدعى صيّاد الطير والصيّاد الشابّ وأمّ الكاهن وأمّ الكاهنة العليا إلى رثائه، ثم يُقال للملك: اغسل رأسك الذي تمرّغ في التراب، فيغسله، ويجلس، ويأكل ويشرب الخمر الجيّدة. وتختم بمدح إريشكيغال. رحلة نينغيشزيدا إلى العالم السفلي، 1–90.
والفكرة التي تدور عليها أخباره أنّ النبات الذي يموت كلّ سنة له في العالم السفلي عمل لا ينقطع. ينزل نينغيشزيدا حين يموت الزرع، من منتصف الصيف إلى منتصف الشتاء كما تقول صفحته في أوراك، ويبكيه أهله كما يُبكى دموزي. لكنّه لا يختفي هناك: يصير حامل كرسيّ العالم السفلي، ويقف مع البوّاب الأكبر عند مدخله، ويقف في قصّة أدابا مع دموزي على باب آنو في السماء. فالمعبود الذي يغيب عن الأرض يقف على الأبواب بين العوالم، ويعرف من يدخل ومن يخرج. ولذلك قال إيا لأدابا أن يلبس ثوب الحداد ويقول إنّه يبكي معبودين غابا عن الأرض، دموزي وغيشزيدا، فضحك الحارسان وتشفّعا له.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج. يُكتب ᵈnin-g̃iš-zi-da «نِنْ-غِيشْ-زِي-دا»، ومعناه عند الدارسين «سيّد الشجرة الصادقة» أو «الثابتة» أو «المستقيمة». ونترك nin «نِنْ» لقباً سومرياً للسيّد كما في اسم نينورتا، ونترك -a «ـا» في آخره لأنّها لاحقة نحوية. فيبقى zid «زِيد»، ومعناه الصادق المستقيم، وتكتبه الكتابة المقطعية بالسين: ni-gi-si-da «نِي-غِي-سِي-دا». وهذه حروف «سديد»: في معجم لين «صار سديداً» أي استقام واتّجه إلى الصواب، و«أسدّ» أصاب الحقّ في قوله وفعله. وهذا ما يقوله الاسم والنصوص معاً: معبود يُوثق به، يقضي في العالم السفلي وعلى الأرض، وتقول أسماء بابلية متأخّرة «نينغيشزيدا قاضٍ». ويبقى g̃iš «غِيشْ»، الشجرة والخشب، وأقرب ما يلقاه في العربية «خَشَب»، لكنّ الباء ليست في الكلمة السومرية.
الجذر اللغوي
«سيّد الشجرة السديدة»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ᵈnin-g̃iš-zi-da «علامة المعبود ثم نِنْ-غِيشْ-زِي-دا» | نِنْغِيشْزِيدا | الكتابة المعتادة، وقد تسقط منها «دا» |
| ᵈni-gi-si-da «نِي-غِي-سِي-دا» | نِغِّسِّيدا | كتابة مقطعية تُظهر السين |
| ᵈnin-ki-zi-da «نِنْ-كِي-زِي-دا» | نِكِّسِّيدا | كتابة مقطعية بالكاف |
| umun-muzzida «أُمُونْ-مُزِّيدا» | الاسم في لهجة النساء السومرية | |
| gišzida «غِيشْزِيدا» | غيشزيدا | في قصّة أدابا، بلا لقب السيّد |
| gišbanda «غِيشْبانْدا» | «الشجرة الصغيرة»، لقب له واسم بلدته |
نبدأ بفصل اللقب واللاحقة عن الأصل. nin «نِنْ» لقب السيّد والسيّدة في السومرية، ويُترك كما تُرك في نينورتا ونينخورساغ. وda «دا» في الآخر لاحقة، تثبت مرّة وتسقط مرّة، فلا تدخل في القراءة. فالقراءة تغطّي الجزء zid «زِيد»، والجزء g̃iš «غِيشْ» قراءة ناقصة.
zid في السومرية الصادق الثابت المستقيم، والكتابات المقطعية ni-gi-si-da «نِي-غِي-سِي-دا» وnin-ki-zi-da «نِنْ-كِي-زِي-دا» تبيّن أنّ الاسم كان يُلفظ بالسين: «نِكِّسِّيدا». والسين والدال حرفا «سدّ»، والكلمة العربية مضعّفة كما أنّ الزاي في الاسم تُضعّف في النطق. وفي معجم لين: «سدّ» القول والفعل إذا استقاما، و«السديد» المستقيم الموجّه إلى الصواب، و«السَّداد» الصواب في القول والعمل. فالمعنى واحد في اللسانين: الصواب الذي يُعتمد عليه. وهذا ما تشهد به النصوص: يقول نصّ عن غوديا إنّ نينغيشزيدا أمسك بيده طول الوقت، وتقول صفحته في أوراك إنّه يقضي في العالم السفلي وعلى الأرض، وإنّ له في أور بيتاً اسمه «بيت العدل».
أمّا g̃iš «غِيشْ» فهو الشجرة والخشب، ويُكتب به اسم كلّ ما يُصنع من خشب. وأوّله في السومرية حرف أنفي بين الغين والنون، والكتابات المقطعية تجعله غيناً أو كافاً. وأقرب كلمة عربية في معناه «خَشَب»: في معجم لين الخشب ما يُستعمل في النجارة، الواحدة خشبة. والخاء تقابل الحرف الحلقي، والشين شين، لكنّ الباء العربية ليس لها في الكلمة السومرية مقابل. فهذا الجزء مفتوح. ويقول أوراك إنّ الشجرة التي في الاسم قد تكون الكرمة، فقد ارتبط نينغيشزيدا في عهد أور الثالثة ببيت الخمر، وسُمّي «سيّد أصحاب الحانات».
السرديات الأسطورية الرئيسة
معبود غوديا الشخصي
رأى غوديا في المنام رؤى لم يفهمها، فذهب إلى المعبودة نانشه تفسّرها له. فقالت له إنّ ضوء النهار الذي طلع له في الأفق هو معبوده الشخصي نينغيشزيدا، الذي يطلع له كما يطلع النهار في الأفق. وحين صبّ غوديا أوّل لبنة لمعبد نينغرسو كان يمشي ونينغيشزيدا ممسك بيده طول الوقت. وفي آخر الأسطوانة الأولى تقول القصيدة إنّ نينغيشزيدا رفع البيت على قاعدته، وإنّ غوديا دقّ أوتاد أساسه. ووُجد في تلّو، مدينة غِيرْسُو القديمة، طبق من الرخام عليه إهداء من غوديا إلى نينغيشزيدا، من معبده هناك، وهو اليوم في متحف اللوفر.
الحيّات والتنانين
تقول ترنيمته إنّه «أسد الجبال البعيدة» و«الذي يجمع الحيّات العظيمة والتنانين»، وإنّه رضع حليب أمّه الطاهر ونشأ في الأبسو، وإنّه الكاهن الذي يحمل أواني التطهير ويفحص الألواح ويقيم العدل، والراعي الذي يمسك الصولجان على الماعز والجديان، و«الملك الذي ينفّذ الأوامر في العالم السفلي العظيم». وفي ختمه يرى الدارسون رؤوس التنّين المشحشّو تخرج من كتفيه، ويُسمّى «الحيّة العظيمة»، وتُنسب إليه في الفلك الكوكبة التي تُسمّى اليوم الشجاع.
مع أور-نمّو وجلجامش
في قصيدة «موت أور-نمّو» ينزل الملك إلى العالم السفلي ومعه هدايا لأهله، فيقدّم لنينغيشزيدا «المحارب الشجاع» في قصره عربة تلمع عجلاتها بالذهب وحميراً وخيلاً، ويقدّم لمن يقف بجانبه ختماً من اللازورد. وفي «موت جلجامش» يصير جلجامش قاضياً في العالم السفلي، وكلامه ثقيل ككلام نينغيشزيدا ودموزي. محاكمة الموتى
التوازيات عبر الحضارات
يقف نينغيشزيدا في الرافدين مع دموزي في صفّ واحد: كلاهما شابّ يُحمل إلى العالم السفلي فتبكيه أخته وأمّه، وكلاهما يقف على باب آنو في قصّة أدابا. وأخته التي تريد أن تبحر معه تشبه جشتينانا التي نزلت بدل أخيها نصف السنة، وجشتينانا نفسها زوجته في لكش. فهو واحد من صور المعبود الذي يموت ويعود، وواحد ممّن ينزلون إلى العالم السفلي. أوراك، نينغيشزيدا.
وقد جعل والِس بَدْج، أمين الآثار المصرية والآشورية في المتحف البريطاني، رمز نينغيشزيدا عصاً تلتفّ عليها حيّتان، كما على إناء أهداه غوديا إليه، وقال إنّ عصا الأطبّاء الملفوفة بالحيّة تحفظ ذكرى هذه العصا، وذكر معها تحوت النوبي يمسك عصاً تلتفّ عليها حيّة. وهذا رأيه هو، ولا يقوله نصّ قديم. فعصا أسكليبيوس ذات الحيّة الواحدة، وعصا الرسول عند هرمس ذات الحيّتين، تلتقيان بنينغيشزيدا في الصورة، والطريق بينها غير معروف.
ويصير جلجامش بعد موته قاضياً في العالم السفلي كلامه ككلام نينغيشزيدا، كما يقضي مينوس عند الإغريق ويَما في الهند، في محاكمة الموتى.