ملخص
سِين هو الاسم الأكدي لصاحب القمر في بلاد الرافدين، واسمه السومري نانّا، وكان أشهر بيوته في أور جنوباً وحرّان شمالاً. وقصّة مولده في النص السومري «إنليل ونينليل» «إِنْلِيل ونِنْلِيل» قصّة نور يولد في المنفى ثم يصعد. أكره إنليل الفتاة نينليل على نفسه بعد أن رفضته، فحملت منه بسُوإِن، وهو سين. فقبض عليه مجمع الآلهة في نِبْرُ «نِبْرُو» وأخرجه من المدينة نجساً، فخرجت نينليل وراءه وفي بطنها الجنين. وفي الطريق إلى العالم الأسفل تنكّر لها إنليل ثلاث مرات، بوّاباً للمدينة، ورجلاً على النهر الذي يأكل الناس، وملّاحاً، وقال لها في كلّ مرة: بذرة سيّدك تصعد إلى السماء، فلتنزل بذرتي إلى الأسفل بدلاً منها. فحملت منه في كلّ مرة بابن آخر يكون بدلاً من سين، وأوّل الثلاثة نرغال سيّد العالم الأسفل.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ سين هو الابن الذي يُفدى ليصعد. حُمل به في طريق النفي إلى الأسفل، ثم حُمل بإخوته «إلى الأسفل» بدلاً منه ليبقى هو للسماء. وهذا ما يراه الناس في القمر نفسه: يغيب في آخر الشهر ثم يطلع هلالاً، ويرتفع نوره فوق ظلمة الليل. ولهذا جعلته الأسر الإلهية أباً لـشمش وعِشْتار، أي للشمس ولكوكب الزهرة، وجعله الكتبة بعدد الشهر فكتبوا اسمه ᵈ30 «ثلاثون». وظلّ الملوك يرجعون إليه حتى آخر بابل: روى نَبُونِيد أنّ سين ظهر له في حلم مع مَرْدُوخ، فأمره ببناء معبده في حرّان.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Sîn «سِين» يقابل السَّنا، أي الضوء، والسَّناء، أي الرفعة والشرف. ويجمعهما لسان العرب في عبارة واحدة: «سَنَت النارُ تَسْنُو سَناءً: علا ضوؤها». فسين هو النور الذي يعلو. ويقرأ المؤلّف هذه الصورة قراءة أبعد من وصف الجرم: القمر في نصوص سين صورة للضوء المرتفع، والضوء المرتفع يدلّ على الإله العلي الذي يأتي منه النور والسلطان. وهذه قراءة المؤلّف للاسم والصورة، أمّا النصوص القديمة فتشهد للاسم والقمر والعبادة. وهي توافق ما تجعله القصّة لسين: الابن الذي كُتب له الصعود.
الجذر اللغوي
| الكتابة | النطق | البيان |
|---|---|---|
| ᵈEN.ZU «إن-زو» | سُوإِن، ويقرأ أيضاً زُوإِن | العلامة ᵈ «علامة الإله» لا تُنطق؛ العلامتان تكتبان الاسم ولا تُقرآن حرفاً حرفاً |
| Su'en «سُوإِن» | سُو-إِن | أقدم الصيغ المنطوقة، وتشهد لها إيبلا «إِبْلا» نحو 2400 ق.م |
| Sîn «سِين» | سِين بكسرة طويلة | الصيغة الأكدية المتأخرة |
| ᵈ30 «علامة الإله ثم ثلاثون» | يُقرأ سين | كتابة رمزية بعدد أيام الشهر، لا نطق للاسم |
يميّز لسان العرب السَّنا المقصور، وهو ضوء البرق والنار، من السَّناء الممدود، وهو المجد والشرف، ثم يجمعهما في الفعل: سنت النار سناءً إذا علا ضوؤها. فالضوء والارتفاع في هذه المادة معنى واحد ينظر إليه من جهتين. ويبقى في السين والنون صوتا الاسم، وتقابل الكسرةُ الطويلة في Sîn «سِين» الألفَ في سنا.
وتعرض المقالتان قراءات أخرى. السِّنّ تشبه الهلال في هيئته، والأكدية نفسها تقول šinnu «شِنُّو» للسن، لكن السن لا تعني الضوء، وفيها نون مشددة لا حركة طويلة. والسَّنة تصل القمر بحساب الزمن، وهي صلة في المعنى والتقويم، وفيها تاء زائدة. أمّا الصيغة الأقدم Su'en «سُوإِن» فتقارنها القراءة بـالشأن، أي المنزلة والأمر، وهي تحتاج إلى تفسير السين والشين وترتيب الواو والهمزة.
السياق التاريخي
ظلّت أور أشهر بيوت نانّا وسين، ثم صارت حرّان مركزاً كبيراً لعبادته في الشمال. وعُثر على أسطوانة نبونيد في معبد شمش بسِبّار، لكنها تتحدّث عن إعادة بناء إيهولخول «إِيحُولْحُول»، بيت سين في حرّان. ويسمّي نصّها نينغال «نِنْگال» حبيبته، وشمش وعشتار ولديه، ونُوسْكُو وزيره؛ فالوزارة خدمة في البيت الإلهي، لا نسب.
السرديات الأسطورية الرئيسة
في حلم نبونيد أمر مردوخ الملك أن يبني إيهولخول، فقال الملك إنّ المِيدِيِّين يسيطرون على المنطقة، فوعده الحلم بزوال سلطانهم. ثم ينتقل النقش إلى البناء والقرابين وعودة سين إلى بيته. فالأمر الإلهي هنا سند لعمل سياسي أعاد حرّان إلى مملكة بابل.
وفي القصيدة السومرية «رحلة نانّا إلى نِبْرُ» يزور الابن أباه إنليل في المدينة التي نُفي منها الأب قبل مولده، ويعود بالسمك والمحاصيل لأور؛ وتفصيلها في صفحة نانّا. «رحلة نانّا»، 157–197 و253–348.
القراءة الرمزية
تجمع اليومية الفلكية رقم 301404 بين السماء والسوق. يقيس الكاتب زمناً قمرياً، ويسجّل أنّ السحاب منع بعض الرصد، ثم يدوّن في السطور القريبة أسعار الشعير والتمر. كان انتظام القمر أساس حساب الشهر ومواقيت العبادة والعمل، ولذلك كان فشل الرؤية خبراً يسجّل مثل نجاحها.
وتصل أسطوانة نبونيد هذا النظام بحياة المدينة: أعاد العمّال بناء إيهولخول، وعاد تمثال سين إلى موضعه، واستؤنفت القرابين. كان انتظام العبادة يحتاج بناءً وتمويناً وخدماً، كما كان انتظام الشهر يحتاج راصداً يسجّل ظهور القمر واحتجابه.
التوازيات عبر الحضارات
يسمّي يَرِخ الأوغاريتي القمر بلفظ قديم يتصل بالشهر. ويصف القرآن في يونس 5 منازل القمر وسيلة لمعرفة عدد السنين والحساب، ويجعل الأهلّة في البقرة 189 مواقيت للناس والحج. موضع اللقاء هو استعمال حركة القمر في تنظيم الزمن؛ أمّا أسماء المعبودات وأنسابها وطرائق عبادتها فتنتمي إلى تقاليد مختلفة.